أعلنت وزيرة الشؤون الاقتصادية الألمانية كاثرينا رايشه، يوم الثلاثاء، عن ضرورة أن تبحث ألمانيا عن شراكات تجارية جديدة في ظل التغيرات الجارية في النظام العالمي. يأتي هذا التصريح في أعقاب فرض الولايات المتحدة رسومًا جمركية على الواردات الأوروبية، مما أثار مخاوف بشأن مستقبل العلاقات الاقتصادية بين الجانبين. وتعتبر هذه الخطوة بمثابة تحول محتمل في السياسة الاقتصادية الألمانية، مع التركيز على تنويع الشركاء وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.
وأضافت رايشه، خلال قمة للطاقة في برلين، أن التحالفات التقليدية التي اعتمدت عليها ألمانيا بدأت في التدهور، مما يستدعي البحث عن بدائل استراتيجية. وأشارت الوزيرة بشكل خاص إلى أمريكا الجنوبية والهند والشرق الأوسط وكندا وأستراليا ودول آسيوية أخرى مثل ماليزيا، كأماكن واعدة لتوسيع التعاون الاقتصادي.
تداعيات الرسوم الجمركية الأمريكية على الاستثمار الألماني
تعكس تصريحات رايشه حالة من عدم اليقين المتزايدة بشأن الدور الذي ستلعبه الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي بعد فرض الرسوم الجمركية. وقد أدت هذه الرسوم إلى توترات تجارية بين الولايات المتحدة وحلفائها الرئيسيين، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي وكندا، مما دفع الشركات الألمانية إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الاستثمارية.
وفقًا لبيانات جمعتها وكالة رويترز، شهدت الاستثمارات الألمانية في الصين ارتفاعًا ملحوظًا في عام 2025، لتصل إلى أعلى مستوى لها منذ أربع سنوات. ويعزى هذا الارتفاع إلى اعتبار الصين بديلاً جذابًا للشركات الألمانية المتضررة من الحرب التجارية بين الولايات المتحدة وأوروبا.
زيادة الاستثمار في الصين
أظهرت البيانات الصادرة عن معهد الاقتصاد الألماني (IW) ارتفاع الاستثمارات الألمانية في الصين إلى أكثر من 7 مليارات يورو (حوالي 8 مليارات دولار) بين شهري يناير ونوفمبر من عام 2025. يمثل هذا زيادة كبيرة بنسبة 55.5% مقارنة بإجمالي الاستثمارات في عامي 2024 و 2023، والتي بلغت 4.5 مليار يورو.
يشير هذا التوجه إلى أن سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التجارية، بما في ذلك الرسوم الجمركية على الواردات الأوروبية، دفعت الشركات الألمانية إلى تحويل تركيزها نحو الصين وتعزيز العلاقات التجارية معها. ويعكس هذا أيضًا سعي الشركات الألمانية إلى تنويع أسواقها وتقليل تعرضها للمخاطر الجيوسياسية.
بالتوازي مع ذلك، تشير التقديرات إلى أن النمو الاقتصادي في ألمانيا قد يتباطأ إلى 1% أو 1.5% في السنوات القادمة، ويرجع ذلك جزئيًا إلى تمويل الاستثمارات في مجالات الدفاع والبنية التحتية عن طريق الديون. وقالت رايشه إن هذا المعدل من النمو “غير مستدام” ويتطلب اتخاذ إجراءات لدعم الاقتصاد الألماني.
وتتوقع الحكومة الألمانية خفض توقعاتها للنمو في عام 2026 إلى 1% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ 1.3% سابقًا. كما تتوقع نموًا بنسبة 1.3% في عام 2027. هذه التوقعات المتشائمة تزيد من الضغط على الحكومة الألمانية لإيجاد محفزات جديدة للنمو الاقتصادي.
في المقابل، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى إبرام اتفاقية تجارية جديدة مع أمريكا الجنوبية، بينما تعمل كندا على تعزيز العلاقات التجارية مع الصين والهند. وتحاول ألمانيا تحقيق التوازن بين موقفها الصارم تجاه الصين فيما يتعلق بالتجارة والأمن، وبين الحفاظ على علاقة تجارية قوية مع شريكها التجاري الأول.
صرح يورجن ماتيس، رئيس قسم السياسة الاقتصادية الدولية في معهد الاقتصاد الألماني، لرويترز أن الشركات الألمانية تواصل توسيع أنشطتها في الصين بوتيرة متسارعة، مع التركيز بشكل متزايد على تعزيز سلاسل التوريد المحلية. وفي الوقت نفسه، أظهرت بيانات رويترز أن الاستثمارات الألمانية في الولايات المتحدة انخفضت إلى النصف تقريبًا في العام الأول من ولاية ترامب الثانية.
الاستثمار الألماني في الصين يشهد زخمًا متزايدًا، مما يعكس تحولًا استراتيجيًا في السياسة الاقتصادية الألمانية. هذا التحول مدفوع بالرسوم الجمركية الأمريكية المتزايدة وعدم اليقين بشأن مستقبل العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة. كما أن البحث عن أسواق جديدة يمثل أولوية قصوى للحكومة الألمانية في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي.
من المتوقع أن تعلن الحكومة الألمانية عن تفاصيل إضافية بشأن توقعات النمو الجديدة في الأيام القادمة. ويجب مراقبة التطورات في العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وكذلك التقدم المحرز في المفاوضات التجارية مع أمريكا الجنوبية، لتقييم تأثيرها على الاقتصاد الألماني. بالإضافة إلى ذلك، من المهم متابعة السياسات الصينية المتعلقة بالاستثمار والتجارة، حيث يمكن أن تؤثر بشكل كبير على جاذبية الصين كوجهة للاستثمار الألماني.

