أظهرت بيانات حديثة أنه بالرغم من تراجع تناول السجائر المدخنة عالمياً، شهدت فترة ما بعد 2020 ارتفاعاً ملحوظاً في انتشار التبغ عديم الدخان. بحسب دراسة نُشرت في مجلة نيو إنغلاند الطبية بتاريخ 10 يونيو/حزيران 2026، بلغ عدد مستخدمي هذه المنتجات نحو 360 مليون شخص في 140 دولة، فيما تتركز الغالبية في دول ذات دخل منخفض إلى متوسط.

في الوقت نفسه تحذر منظمة الصحة العالمية والوكالات البحثية من مخاطر صحية مترتبة على هذه المنتجات، وتربطها بزيادة حالات سرطان الفم وأمراض اللثة والقلب. من ناحية أخرى، تواجه الجهات الصحية تحدياً في تنظيم تداول هذه المنتجات وانتشارها خاصة في جنوب شرق آسيا.

التبغ عديم الدخان: انتشار متسارع وتحديات صحية

مصطلح التبغ عديم الدخان يشمل منتجات تُستخدم عن طريق المضغ أو الإمصاص أو الاستنشاق دون احتراق، مثل السنوس والنشوق والمنتجات المعبأة في أكياس صغيرة. وفق الدراسة، يمثل المستخدمون في دول آسيا وجنوب شرق آسيا وحدها نسبة تقارب 77% من الإجمالي، ما يسلط الضوء على تركيز المشكلة في مناطق محددة.

بالإضافة إلى ذلك، تشير التقارير إلى أن بعض المستهلكين يتحولون إلى هذه المنتجات ظناً منها بديلاً أقل ضرراً عن السجائر. ومع ذلك تؤكد الجهات الصحية أن خلو الاحتراق لا يعني غياب المخاطر، إذ تحتوي معظم هذه المنتجات على نيكوتين ومواد مسرطنة مثل النيتروزامينات.

آلية تأثير التبغ عديم الدخان في الجسم

تدخل مادة النيكوتين إلى الجسم عبر الأغشية المخاطية للفم أو الأنف فتؤثر على الجهاز العصبي المركزي وتزيد إفراز الأدرينالين والدوبامين، مما يسبب تأثيرات فسيولوجية مؤقتة مثل زيادة ضربات القلب وضغط الدم. علاوة على ذلك، تم رصد أن المكونات الكيميائية المرافقة للنيكوتين تساهم في التهابات موضعية وتلف خلوي يهيئ لظهور أمراض مزمنة.

من ناحية أخرى، تحتوي منتجات التبغ عديم الدخان على نيتروزامينات وسواها من المركبات الكيميائية التي تتكون أثناء معالجة التبغ، وهذه المواد معروفة بصدارتها لقوائم المواد المسببة للسرطان بحسب تقارير الوكالة الدولية لأبحاث السرطان.

سرطان الفم وبيانات المرصد العالمي للسرطان

كشف مرصد السرطان العالمي بيانات لعام 2022 أظهرت ارتفاع حالات سرطان الفم إلى نحو 389846 حالة جديدة، مع انتشار واضح في دول تعتمد أنماط استهلاك التبغ الممضوغ أو المستنشق. وتظهر الأدلة أن ارتباطاً قوياً يجمع بين استخدام أنواع معينة من التبغ عديم الدخان وتزايد مخاطر سرطان الخلايا الحرشفية الفموية.

في هذا الإطار، أشارت مراجعات منهجية سابقة إلى ضرورة إجراء دراسات أوسع لتقييم علاقة الجرعات وطول مدة التعرض بخطر الإصابة، كما دعت الباحثون الحكومات لاتخاذ إجراءات احترازية لتقليل التعرض الشعبي لهذه المنتجات.

اللثة والأسنان والأمراض المزمنة المرتبطة

تربط دراسات متعددة بين استخدام التبغ عديم الدخان ومشاكل الفم والأسنان، بما في ذلك نزيف اللثة، جيوب اللثة، تآكل الأسنان وخلخلة الأسنان. دراسة ميدانية في الهند عام 2018 أظهرت نسباً مرتفعة من هذه الأعراض بين مستخدمي التبغ الممضوغ مقارنة بغير المستخدمين.

كما تشير دراسات أخرى إلى ارتباطات بين التعرض لهذه المنتجات وارتفاع احتمالات الإصابة بأمراض مزمنة كأمراض الجهاز التنفسي والسكري وأمراض القلب، وإن لم تُثبت بعض الأبحاث سببية مباشرة في كل الحالات، إلا أن الأنماط الوبائية تثير القلق وتستدعي مزيداً من التحقيق.

ضرر على القلب والأوعية الدموية

أظهرت مراجعة منهجية وتحليل تلوي لعدد من الدراسات أن منتجات التبغ عديم الدخان قد تزيد مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية. تناولت مراجعة نُشرت عام 2018 ارتباطاً بارتفاع خطر أمراض القلب بنسبة تقترب من 17% وخطر السكتة بنسبة نحو 28% لدى مستخدمي بعض هذه المنتجات.

علاوة على ذلك، أصدر خبراء من جمعيات قلبية تحذيرات بشأن احتمال ارتفاع خطر الوفاة لدى مرضى القلب المرتبط ببعض أنواع التبغ عديم الدخان، ودعوا إلى توخي الحذر في توصيف هذه المنتجات كبدائل آمنة دون أدلة طويلة الأمد.

توصيات ومراقبة مستقبلية

توصي الجهات الصحية بزيادة برامج التوعية، تشديد رقابة المبيعات خاصة التي تستهدف الشباب، وإجراء مراقبة كيمائية لأنواع التبغ لتحديد مستويات النيكوتين والنيتروزامينات. كما تشير التوصيات إلى أهمية تكييف سياسات الحد من التبغ لتشمل المنتجات غير المحترقة.

في الختام، يبقى ما ينبغي مراقبته هو تطور الأدلة العلمية وتنفيذ سياسات رقابية فعّالة خلال السنوات المقبلة، إضافةً إلى نتائج الأبحاث الطولية التي قد توضح أكثر العلاقة بين التعرض لهذه المنتجات والمخاطر الصحية طويلة الأمد.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version