توصلت دراسة علمية حديثة إلى فهم أعمق لآلية عمل جهاز المناعة في السيطرة على الالتهابات، وتحديدًا الدور المحوري الذي يلعبه الإنترفيرون في إنهاء الاستجابة الالتهابية بعد العدوى. نُشرت نتائج الدراسة في الأول من فبراير 2026، وتُظهر كيف يقوم الإنترفيرون بتوجيه الخلايا المناعية للتخلص من الخلايا المصابة بطريقة منظمة، مما يمنع انتشار مسببات الالتهاب وتفاقم الحالة. هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام تطوير علاجات جديدة للأمراض الالتهابية المزمنة.
أجريت الدراسة من قبل فريق بحثي متعدد التخصصات في معهد باستور بفرنسا، بالتعاون مع جامعات أوروبية وأمريكية. ركزت الأبحاث على فهم التفاعلات المعقدة بين الخلايا المناعية والإنترفيرون، وهو بروتين ينتجه الجسم استجابةً للعدوى الفيروسية والبكتيرية. النتائج الأولية تشير إلى أن هذه الآلية تلعب دورًا حاسمًا في تنظيم الاستجابة المناعية ومنع حدوث ضرر للأنسجة السليمة.
فهم أعمق لآلية السيطرة على الالتهابات
لطالما كان دور الإنترفيرون في مكافحة العدوى معروفًا، ولكن الآلية الدقيقة التي ينهي بها الالتهابات بعد القضاء على مسبب المرض ظلت غير واضحة. وفقًا للدراسة، يعمل الإنترفيرون كـ “رسول” يوجه الخلايا المناعية، مثل الخلايا القاتلة الطبيعية (NK cells) والخلايا التائية السامة، لاستهداف الخلايا المصابة بشكل انتقائي.
كيف يعمل الإنترفيرون على الخلايا المصابة؟
الإنترفيرون لا يقوم بتدمير الخلايا المصابة بشكل مباشر، بل يحفزها على بدء عملية موت الخلايا المبرمج (apoptosis). هذه العملية تضمن تفكك الخلية المصابة بطريقة منظمة، دون إطلاق محتوياتها الالتهابية في البيئة المحيطة. هذا يمنع حدوث “عاصفة التهابية” يمكن أن تسبب ضررًا للأنسجة السليمة.
بالإضافة إلى ذلك، أظهرت الدراسة أن الإنترفيرون يعزز قدرة الخلايا المناعية على التعرف على الخلايا المصابة وتحديدها بدقة. هذا يقلل من خطر مهاجمة الخلايا السليمة عن طريق الخطأ، وهو أحد التحديات الرئيسية في علاج الأمراض المناعية الذاتية. الخلايا المناعية تلعب دورًا هامًا في الاستجابة المناعية الفطرية والتكيفية.
ومع ذلك، فإن الاستجابة المناعية المفرطة يمكن أن تؤدي إلى تلف الأنسجة. الإنترفيرون، من خلال تنظيم عملية موت الخلايا المبرمج، يساعد على تحقيق التوازن بين القضاء على العدوى وحماية الأنسجة السليمة. هذا التوازن ضروري للحفاظ على صحة الجسم ومنع تطور الأمراض المزمنة.
الآثار المترتبة على علاج الأمراض الالتهابية المزمنة
تفتح هذه النتائج آفاقًا جديدة لتطوير علاجات أكثر فعالية للأمراض الالتهابية المزمنة، مثل التهاب المفاصل الروماتويدي، والتهاب الأمعاء، والتصلب المتعدد. الهدف هو تصميم أدوية تحاكي عمل الإنترفيرون في توجيه الخلايا المناعية للتخلص من الخلايا المصابة دون التسبب في ضرر للأنسجة السليمة.
يعتقد الباحثون أن هذه الأدوية يمكن أن تكون أكثر استهدافًا وأقل سمية من العلاجات الحالية، والتي غالبًا ما تعتمد على تثبيط جهاز المناعة بشكل عام. تثبيط المناعة يمكن أن يزيد من خطر الإصابة بالعدوى والسرطان. التركيز على تنظيم الاستجابة المناعية بدلاً من تثبيطها قد يوفر حلاً أكثر أمانًا وفعالية.
في سياق متصل، تشير الأبحاث الأولية إلى أن هذه الآلية قد تلعب أيضًا دورًا في مكافحة السرطان. الخلايا السرطانية غالبًا ما تتجنب الاستجابة المناعية، ولكن تحفيز الإنترفيرون قد يساعد على جعلها أكثر عرضة للهجوم من قبل الخلايا المناعية. هذا المجال يتطلب المزيد من البحث والدراسة.
الالتهابات المزمنة تعتبر عامل خطر رئيسي للعديد من الأمراض الخطيرة، بما في ذلك أمراض القلب والأوعية الدموية والسكري والسرطان. فهم الآليات التي تتحكم في الالتهاب يمكن أن يساعد في تطوير استراتيجيات وقائية وعلاجية جديدة.
بالإضافة إلى ذلك، يدرس الباحثون إمكانية استخدام هذه المعرفة لتطوير لقاحات أكثر فعالية. اللقاحات تعمل عن طريق تحفيز جهاز المناعة لإنتاج أجسام مضادة وخلايا مناعية قادرة على التعرف على مسبب المرض والقضاء عليه. تحسين قدرة جهاز المناعة على الاستجابة للقاحات يمكن أن يزيد من فعاليتها ويقلل من الحاجة إلى جرعات معززة.
الوزارة الصحية أكدت على أهمية هذه الدراسة، مشيرةً إلى أنها ستدعم جهود البحث والتطوير في مجال الأمراض المناعية والمعدية. كما أعلنت عن تخصيص ميزانية إضافية لتمويل الأبحاث المتعلقة بالإنترفيرون ودوره في تنظيم الاستجابة المناعية.
الخطوة التالية المتوقعة هي إجراء تجارب سريرية لتقييم سلامة وفعالية الأدوية الجديدة التي تستهدف آلية عمل الإنترفيرون. من المتوقع أن تبدأ هذه التجارب في الربع الثالث من عام 2026، وستستغرق حوالي ثلاث سنوات لإكمالها. النتائج الأولية من هذه التجارب ستحدد ما إذا كانت هذه الأدوية واعدة بما يكفي للانتقال إلى مراحل التطوير السريري المتقدمة. هناك العديد من التحديات التي يجب التغلب عليها، بما في ذلك ضمان وصول الدواء إلى الخلايا المستهدفة وتجنب الآثار الجانبية غير المرغوب فيها.

