شهدت المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية ارتفاعًا ملحوظًا في أعداد الأفراد الذين يحددون أنفسهم بـ المرونة الجنسية (Heteroflexibility)، وهي توجه جنسي يتسم بالمرونة والانفتاح. تشير أحدث التقارير إلى أن هذا التوجه يكتسب شعبية متزايدة، خاصة بين جيل الألفية والجيل زد، مما يعكس تحولًا في فهم وتعبير الأفراد عن هويتهم الجنسية.
وكشفت دراسة حديثة أجرتها Feeld، وهي منصة مواعدة تركز على العلاقات غير التقليدية، عن زيادة بنسبة 193٪ في أعداد الأفراد الذين يحددون أنفسهم بالمرونة الجنسية في المملكة المتحدة خلال العام الماضي. وفي الولايات المتحدة، يقدر عدد هؤلاء الأفراد بحوالي 50-55 مليون شخص، أي ما يعادل 15٪ من إجمالي السكان. هذه الزيادة تأتي ضمن سياق أوسع من التغيرات الاجتماعية والثقافية المتعلقة بالجنس والهوية.
المرونة الجنسية: تعريف متزايد الانتشار
المرونة الجنسية تختلف عن التوجهات الجنسية الثنائية مثل المثليّة أو التعرّف بالجنسين أو ازدواجية الميول الجنسية (bisexuality). فالأفراد الذين يتبنون هذا التوجه يميلون إلى تحديد أنفسهم بشكل رئيسي على أنهم مغايرين (straight)، ولكنهم قد ينجذبون أو ينخرطون في علاقات جنسية مع أفراد من نفس الجنس في بعض الأحيان. يجب التأكيد على أن هذا ليس مجرد فضول عابر، بل هو جزء من تجربة الأفراد وتعبيرهم عن ميولهم.
تفسيرات للانتشار المتزايد
يعزو خبراء هذا الارتفاع إلى عدة عوامل، منها زيادة الوعي بالمفاهيم الجنسية المختلفة وتقبُّل المجتمع لهذه المفاهيم بشكل أكبر. بالإضافة إلى ذلك، ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات المواعدة في خلق مساحات آمنة للأفراد لاستكشاف هويتهم الجنسية والتعبير عنها. كما أن التغيرات في الأعراف الاجتماعية التقليدية المتعلقة بالعلاقات والجنس تلعب دوراً هاماً في هذا التحول.
وصرحت دينا محمد-لايتي، نائبة رئيس قسم البيانات في Feeld، بأن “الزيادة التي نشهدها تعكس رغبة متزايدة لدى الأفراد في استكشاف العلاقات بطرق أصيلة ومرنة، وإعادة تعريف معنى الانتماء والاتصال في عام 2025.” هذا التصريح يسلط الضوء على الدور الذي تلعبه الرغبة في التعبير عن الذات والانفتاح على تجارب جديدة في تشكيل الهويات الجنسية.
وتشير البيانات إلى أن ثلثي الأفراد الذين يتبنون المرونة الجنسية هم من جيل الألفية (الميلاد بين أوائل الثمانينيات و 1996). بينما يمثل الجيل زد (الميلاد بين 1997 و 2012) نسبة 18٪، والجيل إكس (الميلاد بين 1965 و 1980) نسبة 15.5٪. هذا التوزيع العمري يعكس مدى انتشار هذه الظاهرة بين الأجيال الشابة الأكثر انفتاحًا على التنوع الجنسي.
وعلى مستوى المدن، صنفت برلين كأكثر المدن التي تشهد انتشاراً للمرونة الجنسية في العالم، بينما شهدت مدينة نيويورك أكبر زيادة في أعداد الأفراد الذين يحددون أنفسهم كمزدوجي الميول الجنسية (bisexual) بنسبة 161٪. هذه الاختلافات الإقليمية قد تعكس عوامل ثقافية واجتماعية خاصة بكل مدينة.
ومع ذلك، يرى بعض الخبراء أن مصطلح المرونة الجنسية قد يكون ذاتيًا للغاية وقابلاً للتفسير بطرق مختلفة. فهو يشمل مجموعة واسعة من الأفراد، بمن فيهم أولئك الذين لديهم تجارب جنسية مع أفراد من نفس الجنس، أو الذين يشعرون بالانجذاب إلى كلا الجنسين بشكل متقطع. هذا التنوع في التعريف قد يثير بعض الجدل حول مدى دقة هذا المصطلح.
بالإضافة إلى ذلك، أعرب البعض عن قلقهم من أن استخدام مصطلح المرونة الجنسية قد يؤدي إلى التقليل من أهمية أو حتى محو الهويات الجنسية الأخرى، مثل التعرّف بالجنسين أو ازدواجية الميول الجنسية. من المهم التأكيد على أن كل هوية جنسية فريدة ومهمة، ولا ينبغي لأي مصطلح أن يحل محلها أو يقلل من شأنها.
ويوضح الدكتور لوك برونينغ، محاضر في الأخلاقيات التطبيقية بجامعة ليدز في المملكة المتحدة، أن الهويات المتطورة التي سلطت عليها الدراسة الضوء “تعكس وعيًا متزايدًا بأن الجنسانية معقدة”. ويضيف: “إذا جاز التعبير، فسيكون من المستغرب لو لم يكن لدى الأشخاص فضول جنسي تجاه أشخاص من نفس الجنس أو النوع، أو إذا كانت الجاذبية تعمل بطرق واضحة وقابلة للتنبؤ”.
ومن المرتبطات الثانوية لهذه التوجهات، يظهر اهتمام متزايد بالهويات الجنسية غير الثنائية والتعبير عن الذات بطرق تتجاوز التصنيفات التقليدية. يشهد هذا التحول أيضاً زيادة في النقاش حول حقوق مجتمع الميم (LGBTQ+) وتبني سياسات شاملة تحمي حقوق جميع الأفراد، بغض النظر عن توجهاتهم الجنسية أو هوياتهم الجندرية.
يتوقع الخبراء استمرار هذا الاتجاه نحو مرونة أكبر في التعبير عن الهوية الجنسية. وفي الوقت نفسه, من المهم مراقبة تطور هذه المفاهيم وتوضيحها، وكيفية تأثيرها على النقاشات الاجتماعية والسياسية المتعلقة بالجنس والهوية. سيكون من المثير للاهتمام متابعة التقارير المستقبلية من Feeld ومصادر أخرى لقياس التغيرات في هذه التوجهات وتأثيرها على المجتمع.

