شهد معرض الإلكترونيات الاستهلاكية (CES) في لاس فيغاس تراجعًا في أهميته بالنسبة لشركات صناعة السيارات، بينما تزداد أهمية المعارض الصينية والأوروبية. يعزى هذا التحول إلى التقدم السريع الذي أحرزته الشركات الصينية في تكنولوجيا السيارات، وخاصةً في مجال القيادة الذاتية والبرمجيات. لم يعد المعرض الأمريكي هو المنصة الرئيسية لعرض أحدث الابتكارات في قطاع السيارات، مما يثير تساؤلات حول مستقبله ودور الولايات المتحدة في هذا المجال.
خلال السنوات الأخيرة، كان معرض CES يعتبر نقطة انطلاق رئيسية لكشف النقاب عن التقنيات الجديدة في مجال السيارات. ومع ذلك، أشار خبراء الصناعة إلى أن الشركات الصينية المصنعة للمعدات الأصلية (OEMs) لم تشارك بقوة في المعرض هذا العام، ليس بسبب عدم وجود تكنولوجيا متقدمة، بل بسبب القيود المفروضة على إطلاق مركباتها في الولايات المتحدة. يؤكد المحللون أن هذا يعكس تحولًا أعمق في المشهد العالمي لصناعة السيارات.
صعود الصين وتراجع أهمية معارض السيارات التقليدية
أصبح مركز الثقل لصناعة السيارات، سواء من الناحية التكنولوجية أو الجغرافية، الآن في الصين. هذا التحول يتضح جليًا في المعارض الصينية التي تقام بالتناوب في شنغهاي وبكين، والتي أصبحت الوجهة المفضلة للشركات الكبرى لعرض أحدث منتجاتها وتقنياتها.
الابتكار السريع وتغيير الميزان
يشير آندي بالمر، الرئيس التنفيذي السابق لشركة أستون مارتن لاغوندا، إلى أن الأمر قد تطور. ففي السابق، كانت شركات صناعة السيارات تعتمد على وادي السيليكون لإضفاء مصداقية تكنولوجية على منتجاتها. أما اليوم، فقد انقلب هذا الوضع. التقنيات الأساسية مثل الكهرباء والبرمجيات وأنظمة مساعدة السائق المتقدمة (ADAS) أصبحت الآن تقنيات صناعية راسخة، وليست مجرد نماذج أولية تحتاج إلى منصة عرض في لاس فيغاس.
يشير خبراء الصناعة إلى أن الشركات الصينية قد استقطبت مواهب غربية بارزة، واستثمرت بشكل كبير في مجالات مثل معدلات الشحن، والمدى، والتصميم، والتكنولوجيا، وزيادة حجم الإنتاج. وقد أرسلت شنغهاي 2023 إشارة واضحة إلى الغرب، مفادها أن الصين تسعى إلى أن تصبح المهيمنة عالميًا في قطاع السيارات.
ويقول بالمر إن معرض شنغهاي أصبح أكثر أهمية استراتيجية بالنسبة للعديد من الشركات المصنعة، لأنه يمثل المكان الذي تتركز فيه أسرع دورات الابتكار وسلاسل التوريد والطلب الاستهلاكي. البحث عن منصة لعرض المنتجات خارج الصين قاد الشركات الصينية للاستثمار في معارض أوروبية.
الاستثمار في معارض بديلة
مع تضاؤل فرص المشاركة في معرض CES، بدأت الشركات الصينية في البحث عن بدائل لعرض منتجاتها خارج الصين. ويبرز معرض IAA Mobility في ميونيخ كخيار جذاب، خاصةً بعد توقف معرض جنيف للسيارات. وفقًا لوزير الصناعة، فإن الشركات الصينية تستثمر بشكل كبير في معرض IAA لجذب الانتباه، مما يدفع الشركات الأوروبية الكبرى مثل مرسيدس وبافاريا إلى زيادة استثماراتها فيه أيضًا.
يبدو أن التغيير في ديناميكيات المعارض يعكس التغييرات الأعمق في صناعة السيارات ككل. لم يعد المعرض الأمريكي هو المكان الذي يمكن فيه للشركات الكشف عن التقنيات الثورية، بل أصبح مكانًا لعرض التحسينات التدريجية.
تحديات مستقبلية ووتيرة التغيير المتسارعة
لكي يستعيد معرض CES مكانته المهيمنة في صناعة السيارات، يجب أن يشهد قطاع السيارات تحولًا جذريًا في التطور التكنولوجي. ومع تسارع وتيرة التغيير في الصين، قد يصبح المعرض السنوي غير قادر على مواكبة التقدم. تشير التقارير إلى أن الشركات الصينية تتمتع بدورة حياة أقصر للمنتجات، حيث يتم طرح السيارات الجديدة في السوق خلال عامين فقط من البحث والتطوير، مقارنةً بمتوسط سبع سنوات للمصنعين التقليديين.
هذا التقدم السريع يعني أن الشركات الصينية قادرة على طرح منتجات جديدة باستمرار، بينما تواجه الشركات التقليدية صعوبة في مواكبة ذلك. تعتبر شركة BYD مثالًا على ذلك، حيث لديها خط إنتاج غفير من المنتجات الجديدة التي ستكون متاحة في السوق قبل انعقاد المعارض القادمة.
يشير الخبراء إلى أن معرض CES كان في أوج قوته عندما كانت البرمجيات وواجهات المستخدم والمركبات المعرفة بالبرمجيات (software-defined vehicles) هي التقنيات الرائدة في قطاع السيارات، جنبًا إلى جنب مع تكنولوجيا السيارات الكهربائية. ومع تجاوز هذا العصر، أصبح من غير الواضح متى أو كيف يمكن لمعرض CES أن يستعيد مكانته في هذا المجال.
في المستقبل القريب، من المتوقع أن تستمر الشركات الصينية في تعزيز مكانتها في سوق السيارات العالمي، وزيادة استثماراتها في البحث والتطوير والابتكار. ينبغي مراقبة تطورات معارض السيارات الصينية والأوروبية لتقييم تأثيرها على المشهد العالمي لصناعة السيارات، وتحديد ما إذا كانت ستشكل بديلاً دائمًا لمعرض CES.

