أطلقت الشرطة البريطانية برنامجًا يهدف إلى تحويل مهارات بعض المراهقين في الاختراق إلى مسارات مهنية مشروعة في مجال الأمن السيبراني، بعد تعاملها مع حالات متعددة امتدت على مدار ثماني سنوات. ووفق تقرير هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، جاء تصميم هذا البرنامج لاحتواء مهارات شابة اكتشفت من خلال محاولات كسر قيود أجهزة الحاسوب في المدارس ومنع انخراطهم في الجرائم الإلكترونية.

الحالة الأكثر بروزًا التي يذكرها التقرير تتعلق بشاب يُدعى «لوكاس»، الذي بدأ اختبارات على أنظمة المدرسة عند سن ستة عشر، ما كاد أن يقوده للطرد قبل أن تتواصل والدته مع الشرطة. وفي بيان لبرنامج الشرطة، أُحيل لوكاس إلى سير برنامج تأهيلي يشرح الحدود القانونية ويعرض بدائل مهنية، ما بدّل مسار حياته بشكل تدريجي.

الأمن السيبراني كخيار مهني وتدخّلي وقائي

يركز البرنامج، بحسب ضابط الشرطة سام كوفر المشار إليه في تقرير الـBBC، على شرح العواقب القانونية للأفعال الإلكترونية الضارة ثم متابعة المشاركين بجلسات فردية تمتد لأشهر. ومع ذلك، يضيف التقرير أن الهدف لا يقتصر على الردع فقط بل يشمل توجيه المهارات نحو الحصول على مؤهلات مهنية وفرص عمل في القطاع العام والخاص.

إضافة إلى ذلك، يعمل القائمون على البرنامج كجسر بين المدارس وأصحاب العمل في القطاع التكنولوجي لتسهيل مسارات التدريب والتوظيف. وفي المقابل، يرى المنظمون أن استثمار تلك المواهب المبكرة قد يخفف من خطر تجنيدها عبر شبكات الجريمة المنظمة التي تستهدف المراهقين ذوي الخبرات التقنية.

كيف يعمل البرنامج ولماذا هو ضروري

يبدأ البرنامج بجلسات توعوية حول مخاطر الجرائم الإلكترونية والأثر القانوني والمالي لهجمات الحواسيب، ثم يتابع المشاركين بخطط تأهيلية موجهة. ووفق ما أوردته الوكالة الوطنية البريطانية لمكافحة الجريمة (NCA)، تعامل البرنامج مع أكثر من 1150 حالة خلال ثماني سنوات، منها نحو 600 حالة في السنوات الثلاث الأخيرة، ما يعكس زيادة في ظهور مواهب تقنية بين المراهقين وفي الوقت نفسه ارتفاعًا في محاولات الاستغلال الإجرامي.

ويؤكد مسؤولون أن تنامي سرقات العملات المشفرة والهجمات على مؤسسات كبرى يزيدان من الحاجة إلى مبادرات وقائية. وفي هذا الإطار، يقدم البرنامج مسارات تعليمية تشجع التخصص في مجالات مثل اختبار الاختراق الأخلاقي وإدارة أمن المعلومات، ما يتيح للمشاركين تحويل فضولهم التقني إلى قيمة مهنية شرعية.

الجانب الحقوقي والتربوي

يشير القائمون إلى أن مقاربة البرنامج تربط بين توعية قانونية وتدريب مهني، مع إشراك أولياء الأمور والمدارس في عملية التوجيه. ومع ذلك، يحذر مختصون من أن تحويل المهارات إلى مسارات مشروعة يتطلب بنى تحتية تعليمية أوسع ومعايير واضحة للاعتراف بالمؤهلات المكتسبة خارج الإطار التقليدي.

ومن منظور تربوي، تقول تقارير إن فهم الدافع وراء تصرفات المراهقين — مثل الفضول والتحدي ورغبة الحصول على قدر من الاستقلال التقني — يساعد في تصميم برامج استباقية بدلًا من الاعتماد على العقاب وحده. وبالتالي، تعمل الجهات المعنية على موازنة بين المساءلة القانونية وفرص الإصلاح المهني.

تأثيرات على سوق العمل والتهديدات المتوقعة

في الوقت الذي يُنظر فيه إلى هذه المبادرات كقناة لتغطية فجوة عالمية في الكفاءات السيبرانية، تبقى مخاطر استغلال المواهب قائمة. فشبكات الجريمة الإلكترونية تجند المراهقين ذوي المهارات الناشئة عبر وعود مالية أو عبر استغلال ضعف الوعي القانوني، وفق ما تشير إليه الجهات الأمنية في تقاريرها.

إضافة إلى ذلك، يرى محللون أن تشجيع التحول نحو مهن الأمن السيبراني قد يخفف من الطلب على المهاجمين في السوق السوداء، لكنه يتطلب حوافز واضحة للتوظيف وبرامج معادلة للمؤهلات حتى يقبل المراهقون على الممرات الشرعية. وفي هذا السياق، تعمل بعض المؤسسات التعليمية والقطاع الخاص على خلق شراكات مع برامج الشرطة لتسهيل توظيف الخريجين.

دور الجهات المعنية

تقول الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة إن تنسيقًا فعالًا بين الشرطة والمدارس وقطاع التكنولوجيا ضروري لكبح اتساع الجرائم الإلكترونية. وفي المقابل، يشير التقرير إلى أهمية أن تتضمن الاستجابة برامج إعادة تأهيل بديلة عن العقاب الصارم، خاصة حين تكون تصرفات المراهقين نتيجة فضول تقني وليس نية إجرامية منظمة.

وعلى المستوى الدولي، تُعد مبادرات مماثلة جزءًا من جهود أوسع لمكافحة التهديد الإلكتروني عبر الاستثمار في رأس المال البشري، مع إدراك صانعي السياسات أن السوق العالمية تفتقر إلى عشرات الآلاف من مختصي الأمن السيبراني.

خلاصة القول أن البرنامج البريطاني يصيغ نهجًا وقائيًا يُوصَل بين التوعية والتأهيل المهني، في محاولة لتقليل المسارات الإجرامية المحتملة لمواهب تقنية شابة.

في المستقبل القريب، من المتوقع أن تتابع السلطات تقييم أثر البرنامج وقد تدرس توسيعه أو تعديل مكوناته بناءً على نتائج متابعة المشاركين خلال الأشهر القادمة. ومع وجود مؤشرات على زيادة حالات الانخراط في هجمات إلكترونية وسرقة العملات المشفرة، يبقى ما يجب مراقبته هو معدلات الانتقال إلى الوظائف الشرعية ونجاح تكامل الخريجين في سوق العمل.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version