بدأت السلطات الإيرانية حملة اعتقالات واسعة النطاق تستهدف منظمي ومشاركي الاحتجاجات المتواصلة في البلاد، في ظل تقارير متزايدة عن ارتفاع عدد القتلى والمصابين. وتأتي هذه التطورات بعد أسبوع تقريباً من اندلاع المظاهرات التي بدأت بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم، لتتحول لاحقاً إلى تعبير عن استياء أوسع نطاقاً من سياسات الحكومة.
اندلعت الاحتجاجات في البداية يوم 28 ديسمبر الماضي، مع إضراب أصحاب المتاجر في طهران احتجاجاً على الصعوبات الاقتصادية. سرعان ما امتدت المظاهرات إلى مدن إيرانية أخرى، وتزايدت حدتها مع مرور الوقت، مما دفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات صارمة للحد من انتشارها. وتشهد إيران قيوداً متصاعدة على الوصول إلى الإنترنت، حيث سجلت شركة كلاودفلير انخفاضاً بنسبة 35٪ في حركة البيانات.
تفاقم الأزمة وقيود على الإنترنت في إيران
تفرض السلطات الإيرانية قيوداً مشددة على الوصول إلى الإنترنت، مما أثار مخاوف من انقطاع كامل للاتصالات الدولية. يعتقد مراقبون أن هذه الإجراءات تهدف إلى منع تنسيق المتظاهرين، الذين يعتمدون بشكل كبير على الإنترنت في تنظيم التجمعات. بالإضافة إلى ذلك، تسعى الحكومة إلى منع نشر صور وفيديوهات عن الاحتجاجات على وسائل التواصل الاجتماعي.
أعلن القائد العام لقوى الأمن الداخلي، العميد أحمد رضا رادان، عن بدء حملة “اعتقالات مُستهدفة” لقادة الاحتجاجات الذين يُتهمون بالتحريض على الاضطرابات عبر الإنترنت وقيادة التجمعات في الشوارع. وأكد رادان أن الاحتجاجات بدأت كمطالب اقتصادية مشروعة للتجار، لكنها انحرفت لاحقاً إلى أعمال عنف وتخريب.
وأضاف رادان أن بعض الأفراد والحركات استغلوا الوضع لمحاولة زعزعة الاستقرار، مشيراً إلى اعترافات لبعض المعتقلين بتلقي تمويل من جهات خارجية مقابل المشاركة في الاحتجاجات. لم يتم تقديم تفاصيل إضافية حول هذه الجهات أو طبيعة التمويل.
وفقاً لوسائل الإعلام الإيرانية، شهدت مناطق مختلفة من البلاد، بما في ذلك أحياء العاصمة طهران، تظاهرات متفرقة ليل السبت. وصفت وكالة فارس للأنباء هذه التظاهرات بأنها “محدودة”، ولم تسجل حوادث أمنية كبيرة خلالها.
اعتقالات وحصيلة ضحايا متزايدة
أعلنت السلطات عن اعتقال أربعة أشخاص في محافظة قزوين بتهمة تشكيل “عصابة تخريب” والتخطيط لمهاجمة مراكز حكومية وعسكرية. في الوقت نفسه، استأنف التجار نشاطهم في أصفهان بعد عطلة نهاية الأسبوع، وعادت الحياة إلى طبيعتها في الأسواق.
في غضون ذلك، تشير التقارير الحقوقية إلى ارتفاع عدد الضحايا. ذكرت منظمة “هنجاو” الكردية لحقوق الإنسان أن 17 شخصاً على الأقل لقوا مصرعهم منذ بدء الاحتجاجات، بينما أفادت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان “هرانا” بمقتل 16 شخصاً واعتقال 582 آخرين. تتباين الأرقام الرسمية وغير الرسمية بشأن حصيلة القتلى والجرحى.
سقط عنصر في “الحرس الثوري” خلال اشتباكات في مقاطعة ملكشاهي بمحافظة إيلام غرب إيران، بينما قُتل شخصان آخران في محاولة لاقتحام مركز للشرطة، وفقاً لتقارير وكالة فارس. وتثير هذه الحوادث مخاوف بشأن تصاعد العنف واحتمال وقوع المزيد من الضحايا.
ردود الفعل الرسمية ومخاوف اقتصادية
في أول تعليق له بعد أسبوع من الاحتجاجات، أكد المرشد الإيراني علي خامنئي على حق الشعب في المطالبة بالتغيير، ولكنه حذر في الوقت نفسه من “مثيري الشغب” الذين يسعون إلى زعزعة الاستقرار. وجدد خامنئي تأكيده على أن إيران “لن ترضخ” للضغوط الخارجية، في إشارة إلى تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالتدخل لدعم المتظاهرين.
يأتي هذا في وقت تواجه فيه إيران أزمة اقتصادية حادة، حيث ارتفعت معدلات التضخم إلى أكثر من 36٪، وفقد الريال الإيراني جزءاً كبيراً من قيمته. ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى العقوبات الدولية المفروضة على إيران بسبب برنامجها النووي. تشير التقارير إلى أن العقوبات أدت إلى صعوبات في توفير السلع الأساسية وخدمات مثل المياه والكهرباء.
تعاني إيران أيضاً من ارتفاع معدلات البطالة وتدهور الظروف المعيشية، مما يزيد من الغضب الشعبي والاستياء تجاه الحكومة. وكانت الاحتجاجات الأخيرة بمثابة تعبير عن هذه المشاعر السلبية، وتصاعد المطالبات بإجراء إصلاحات اقتصادية وسياسية شاملة.
يشير المحللون إلى أن الوضع في طهران أقل حدة مقارنة ببعض المناطق الغربية من البلاد. ومع ذلك، فإن استمرار الاحتجاجات والقيود على الإنترنت يضع البلاد في حالة من عدم اليقين والتوتر.
من المتوقع أن تستمر السلطات الإيرانية في حملة الاعتقالات وتطبيق القيود على الإنترنت في محاولة للسيطرة على الوضع. في المقابل، قد يواصل المتظاهرون تنظيم التجمعات والمطالبة بالتغيير. وسيكون من المهم مراقبة التطورات في الأيام القادمة، بما في ذلك رد فعل الحكومة على المطالبات المتزايدة بالإصلاح، وتأثير العقوبات على الاقتصاد الإيراني، وإمكانية تدخل قوى خارجية في الأزمة. كما أن تطوير أي مبادرات للحوار بين الحكومة والمعارضة سيكون مؤشراً حاسماً على مستقبل الاحتجاجات في إيران.

