انعقد مؤتمر هام في الرياض، المملكة العربية السعودية، أعلن خلاله عن إطلاق مبادرات طموحة لتوثيق التراث الموسيقي العربي وحفظه للأجيال القادمة. يهدف المؤتمر، الذي اختتم أعماله مؤخرًا، إلى إنشاء مرجع موحد للمقامات والإيقاعات العربية، وتطوير أدوات رقمية متخصصة لدعم البحث والتعليم في هذا المجال. وتأتي هذه الخطوة في إطار جهود متزايدة لتعزيز الهوية الثقافية العربية والحفاظ على فنونها التقليدية.

ترأس المؤتمر المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه، وأكد على أهمية إنجاز توثيق المقامات الشرقية الصوتية خلال العامين المقبلين، مع التطلع إلى توسيع نطاق التوثيق ليشمل المقامات الشرقية في دول أخرى مثل إيران. وشارك في المؤتمر خبراء وباحثون من مختلف الدول العربية، بالإضافة إلى ممثلون من تركيا، في أول تجمع من نوعه يهدف إلى وضع أسس علمية موحدة لدراسة الموسيقى العربية.

أهمية توثيق التراث الموسيقي العربي

يأتي هذا المشروع في وقت تشهد فيه العديد من أشكال الموسيقى التقليدية خطر الاندثار بسبب التغيرات الاجتماعية والثقافية. إن توثيق التراث الموسيقي العربي ليس مجرد حفظ للتاريخ، بل هو استثمار في مستقبل الإبداع الموسيقي. فالمعرفة العميقة بالمقامات والإيقاعات العربية تشكل أساسًا لتطوير أشكال موسيقية جديدة ومبتكرة.

منهجية البحث وجمع البيانات

يعتمد المشروع على منهجية بحثية شاملة تتضمن التسجيل الصوتي، والتدوين الموسيقي، والتحليل العلمي، والمسح الميداني. تهدف هذه المنهجية إلى إنشاء قاعدة بيانات موثوقة وشاملة للباحثين والمهتمين بالموسيقى العربية. وقد أعلنت اللجنة السعودية المشاركة في المؤتمر عن تسجيل 14 مقامًا محليًا و160 إيقاعًا من مناطق مختلفة في المملكة، مما يعكس بداية تنفيذ خطة وطنية لجمع وحفظ التراث الموسيقي السعودي.

المنصات الرقمية والتعليم

من بين أهم توصيات المؤتمر، اعتماد منظومات رقمية حديثة لتسهيل الوصول إلى التراث الموسيقي العربي. وتشمل هذه المنصات مكتبات إلكترونية مفتوحة، ومنصات تعليمية تفاعلية، وتطبيقات للهواتف المحمولة، وأرشيفًا موسيقيًا يضم تسجيلات تاريخية. تهدف هذه الأدوات إلى جعل المعرفة الموسيقية العربية متاحة للجميع، وتعزيز التعليم الموسيقي في المدارس والمعاهد.

تحديث مرجعيات مؤتمر القاهرة 1932

تسعى هذه المبادرات إلى تحديث وتطوير مرجعيات مؤتمر القاهرة عام 1932، الذي يعتبر نقطة تحول في دراسة الموسيقى العربية. ومع ذلك، فإن المؤتمر الحالي يهدف إلى ربط هذه المرجعيات بالاحتياجات البحثية المعاصرة، واستخدام أحدث التقنيات والمنهجيات العلمية. ويعتبر هذا التحديث ضروريًا لمواكبة التطورات في مجال الموسيقى، وتلبية احتياجات الباحثين والمهتمين.

إنشاء أكاديمية عربية متخصصة

أوصى المؤتمر بإنشاء أول أكاديمية عربية عليا متخصصة في العلوم والفنون الموسيقية. ستعمل هذه الأكاديمية على تطوير المناهج الأكاديمية الخاصة بالمقامات والإيقاعات، ودعم الباحثين الشباب، وربط الدراسات العربية بالمعايير العلمية الحديثة. كما ستساهم الأكاديمية في الحفاظ على الخصوصية التراثية للموسيقى العربية، وتعزيز الهوية الثقافية العربية.

بالإضافة إلى ذلك، دعا المؤتمر إلى إدراج التراث الموسيقي العربي في برامج التعليم الموسيقي بالمدارس والمعاهد، بهدف تعزيز وعي الأجيال الجديدة بأشكال الموسيقى التقليدية. ويعتبر هذا الإدراج خطوة مهمة لضمان استمرارية هذا التراث، ونقله إلى الأجيال القادمة.

تعتبر الموسيقى جزءًا لا يتجزأ من الثقافة العربية، وتلعب دورًا هامًا في تعزيز الهوية الوطنية والوحدة العربية. إن هذه المبادرات تعكس التزامًا قويًا بالحفاظ على هذا التراث الثقافي الغني، وتطويره بما يواكب العصر.

من المتوقع أن تعلن الهيئة العامة للترفيه عن تفاصيل خطة العمل التنفيذية للمبادرات خلال الأشهر القادمة. وستشمل الخطة جدولًا زمنيًا محددًا لتنفيذ المشاريع المختلفة، وتحديد المسؤوليات والمهام. ومع ذلك، فإن نجاح هذا المشروع يتطلب تنسيقًا وثيقًا بين المؤسسات الثقافية العربية، وتوحيدًا للتصنيف العلمي للمقامات والإيقاعات. يبقى التحدي الأكبر هو ضمان استدامة هذه المبادرات، وتوفير التمويل اللازم لتنفيذها على المدى الطويل.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version