بعد جولة مكثفة من المفاوضات برعاية أمريكية، أعلنت الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) عن اتفاق شامل يوم الجمعة 30 يناير، يهدف إلى تثبيت وقف النار ودمج قوات قسد في المؤسسات السورية. يمثل هذا الاتفاق تطوراً هاماً في المشهد السوري المعقد، ويضع حداً لسنوات من الصراع والتوتر في شمال شرق البلاد. يركز الاتفاق على دمج القوات، وتسليم المناطق الاستراتيجية، وتلبية بعض المطالب الكردية، في محاولة لتحقيق الاستقرار السياسي والأمني.

الاتفاق، الذي جاء بعد مفاوضات مطولة بدأت في 10 مارس الماضي، يتضمن عدة مراحل رئيسية. تشمل هذه المراحل دخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى الحسكة والقامشلي، وتسليم حقلي الرميلان والسويدية للنفط، وتسليم مطار القامشلي إلى هيئة الطيران المدني، بالإضافة إلى تشكيل فرقة عسكرية مشتركة. يهدف هذا الترتيب إلى ضمان سيطرة الحكومة السورية على هذه المناطق الحيوية، مع إدماج عناصر قسد في القوات النظامية.

تطورات مفاوضات “قسد” مع الحكومة السورية

بدأت المفاوضات بين الحكومة السورية وقسد في أعقاب التغيرات الإقليمية والدولية، بما في ذلك انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة داعش، وتحسن العلاقات بين دمشق وعدد من الدول العربية والغربية. وفقاً لمصادر مطلعة، كانت المفاوضات تتخللها فترات من التقدم والانسداد، مع تدخلات من أطراف خارجية، بما في ذلك الولايات المتحدة وتركيا وفرنسا.

في البداية، ركزت قسد على الحصول على ضمانات بشأن الحكم الذاتي للمناطق التي تسيطر عليها، وتشكيل قوات مستقلة، وإجراء تعديلات دستورية تضمن حقوق الأكراد. لكن الحكومة السورية أصرت على الاندماج الكامل لقسد في القوات النظامية، ورفضت أي شكل من أشكال الحكم الذاتي.

المراحل الرئيسية للاتفاق

الاتفاق النهائي يتكون من أربع مراحل رئيسية، وفقاً لتصريح محمد طه أحمد، مدير إدارة الشؤون العربية في الخارجية السورية. المرحلة الأولى تركز على الجوانب العسكرية والأمنية، تليها مرحلة أمنية إدارية، ثم مرحلة إدارة المرافق الحيوية، وأخيراً دمج المؤسسات المدنية في هيكل الحكومة السورية. ووفقاً للاتفاق، سيتم في اليوم الأول دخول 15 سيارة أمن لكل من الحسكة والقامشلي، وفي اليوم التالي استلام حقلي الرميلان والسويدية للنفط مع دمج الموظفين بوزارة الطاقة.

كما يتضمن الاتفاق تعيين مناصب رئيسية لأفراد من قسد، مثل محافظ الحسكة ومساعد وزير الدفاع ونائب مدير الأمن في الحسكة. هذا الترتيب يهدف إلى إعطاء قسد تمثيلاً في الحكومة السورية، مع ضمان سيطرة الحكومة على هذه المناصب.

بالإضافة إلى ذلك، نص الاتفاق على “تسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي”، والعمل على ترجمة المرسوم الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع في 16 يناير بشأن الحقوق الكردية، ضمن مؤسسات ووثائق الدولة. هذه الخطوة تهدف إلى معالجة المظالم التاريخية التي تعرض لها الأكراد في سوريا، وتعزيز الوحدة الوطنية.

ردود الفعل الإقليمية والدولية على اتفاق دمج قسد

رحبت الولايات المتحدة بالاتفاق، واعتبرته “محطة عميقة وتاريخية في مسيرة سوريا”. المبعوث الأميركي توم باراك، الذي واكب المفاوضات منذ البداية، أكد أن الاتفاق يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق الاستقرار في سوريا. كما رحبت كل من فرنسا والمملكة المتحدة بالاتفاق، مؤكدة دعمهما لتنفيذه.

ومع ذلك، لم يصدر أي تعليق رسمي من تركيا حتى الآن. تركيا تعتبر قسد منظمة إرهابية، وترفض أي شكل من أشكال التعاون معها. من المتوقع أن تعبر تركيا عن قلقها بشأن الاتفاق، وتطالب بضمانات بشأن أمنها القومي.

التحول في الموقف الأمريكي، وفقاً لمصادر دبلوماسية، جاء بعد لقاء الرئيس ترمب بالرئيس الشرع في البيت الأبيض في 10 نوفمبر، وقرار سوريا الانضمام إلى التحالف الدولي لقتال داعش. هذا اللقاء فتح الباب أمام حوار مباشر بين واشنطن ودمشق، وأدى إلى تغيير في الأولويات الأمريكية في سوريا.

تحديات تواجه تنفيذ الاتفاق

على الرغم من الترحيب بالاتفاق، إلا أن هناك العديد من التحديات التي تواجه تنفيذه. أحد أهم هذه التحديات هو معارضة بعض الفصائل السورية للاتفاق، وخوفها من أن يؤدي إلى تعزيز سلطة الحكومة السورية. كما أن هناك مخاوف بشأن قدرة الحكومة السورية على دمج عناصر قسد في القوات النظامية، وضمان ولاءهم للدولة السورية.

بالإضافة إلى ذلك، هناك تحديات أمنية كبيرة في شمال شرق سوريا، بما في ذلك وجود خلايا نائمة لتنظيم داعش، وتوتر العلاقات بين الأكراد والعرب في المنطقة. هذه التحديات تتطلب جهوداً مشتركة من الحكومة السورية وقسد والأطراف المعنية الأخرى، لضمان تنفيذ الاتفاق بنجاح.

المرحلة القادمة ستشهد تركيزاً على تنفيذ البنود الأمنية والعسكرية للاتفاق، بما في ذلك انسحاب القوات من نقاط التماس، وتسليم المناطق الاستراتيجية، ودمج عناصر قسد في القوات النظامية. من المتوقع أن تستغرق هذه المرحلة عدة أشهر، وستتطلب تنسيقاً وثيقاً بين الحكومة السورية وقسد والأطراف الضامنة.

يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان هذا الاتفاق سينجح في تحقيق الاستقرار في شمال شرق سوريا، أم أنه سيكون مجرد اتفاق آخر يضاف إلى سلسلة الاتفاقات الفاشلة التي شهدتها سوريا في السنوات الأخيرة. المستقبل سيحدد ما إذا كانت سوريا ستتمكن من تجاوز أزمتها، وبناء مستقبل أفضل لجميع أبنائها.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version