أعلنت الصومال عن إلغاء جميع الاتفاقيات المبرمة مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وذلك على خلفية دخول رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي اليمني، عيدروس الزبيدي، أراضيها بشكل غير قانوني عبر منطقة أرض الصومال الانفصالية. يأتي هذا القرار في تصعيد حاد للعلاقات المتوترة بين البلدين، ويشكل تحولاً كبيراً في السياسة الخارجية الصومالية تجاه أبوظبي، مما يثير تساؤلات حول مستقبل التعاون الإقليمي والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي. هذا التطور المتعلق بـ السيادة الصومالية له تداعيات كبيرة.

أكد علي عمر، وزير الدولة للشؤون الخارجية الصومالي، أن دخول الزبيدي إلى الأراضي الصومالية في الثامن من يناير كان “القطرة الأخيرة” التي دفعت مقديشو إلى إلغاء جميع الصفقات مع الإمارات. وأشار إلى أن السلطات الصومالية فتحت تحقيقاً في “الاستخدام غير المصرح به” للمجال الجوي والمطارات الصومالية لتسهيل حركة شخصية سياسية فارّة.

تداعيات إلغاء الاتفاقيات على الصومال والإمارات

يشمل قرار إلغاء الاتفاقيات، الذي أعلنه مجلس وزراء الصومال يوم الاثنين، مجالات حيوية مثل عمليات الموانئ والتعاون الأمني والدفاع. ووفقاً لتصريحات عمر، فإن استخدام الأجواء والمطارات الصومالية لتهريب الزبيدي، الذي سافر على متن طائرة شحن مسجلة باسم الإمارات من ميناء بربرة إلى مقديشو، يعد انتهاكاً سافراً للسيادة الصومالية.

وأضاف عمر أن السلطات الصومالية تلقت قائمة بأسماء ركاب الطائرة، لكن اسم الزبيدي لم يكن مدرجاً فيها، مما يشير إلى محاولة إخفائه. لكنه أكد أن هذا الحادث لم يكن السبب الوحيد للقرار، بل يعكس إحباطات متراكمة بشأن سلوك الإمارات في الصومال.

“حاولنا التعامل معهم دبلوماسياً، لكننا قررنا الآن اتخاذ إجراءات. الدبلوماسية لم تنجح، لذا يجب أن يطبق الدستور الآن.”

ردود فعل إقليمية وانقسامات داخلية

كشف هذا الإعلان عن انقسامات عميقة في النظام الفيدرالي الصومالي، الذي يمنح الولايات الأعضاء قدرًا كبيرًا من الاستقلالية في شؤونها. فقد رفضت منطقتي بونتلاند وجالجادود، اللتان تتمتعان بعلاقات تجارية وأمنية وثيقة مع الإمارات، سلطة مقديشو في إلغاء الاتفاقيات.

كما رفضت أرض الصومال، التي أعلنت استقلالها عن الصومال عام 1991 لكنها تفتقر إلى الاعتراف الدولي، القرار أيضاً. وتعتبر أرض الصومال حليفاً وثيقاً لأبوظبي.

في المقابل، أكد عمر أن الصومال استنفدت جميع القنوات الدبلوماسية قبل اتخاذ هذا الإجراء. وأضاف أن البلاد “تستعيد سيادتها مرة أخرى، وتطلب من الآخرين احترام ذلك”.

ويرى مراقبون أن هذا القرار يأتي في سياق تقارب أكبر في المصالح مع الرياض، على خلفية تحركات المملكة العربية السعودية لدفع المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات إلى الانسحاب من اليمن، وتبني موقف أكثر حزماً تجاه أبوظبي. لكن وزير الإعلام الصومالي داود أويس نفى أن يكون القرار قد اتخذ تحت ضغط سعودي.

لم تصدر الإمارات العربية المتحدة أي تعليق رسمي بشأن الاتهامات أو قرار الصومال بإلغاء الاتفاقيات.

استثمارات الإمارات وتأثيرها على السيادة الصومالية

تأتي هذه الخطوة في ظل غضب متزايد في مقديشو بشأن ما تعتبره الحكومة الصومالية نفوذاً كبيراً للإمارات من خلال استثمارات ضخمة في البنية التحتية في المناطق الانفصالية وشبه المستقلة. ووفقًا لمعهد دراسات الأمن الاستراتيجي في أفريقيا، ومقره واشنطن، فإن الاستثمارات الإماراتية في شرق أفريقيا تبلغ حوالي 47 مليار دولار، وتمثل أكثر من نصف التمويل الخليجي المتدفق إلى المنطقة.

وقال عمر: “في الماضي، كانت الصومال تقبل أي مساعدة يمكن الحصول عليها، بغض النظر عن الطريقة التي تأتي بها. لكن هذا خلق تحديات.” وأضاف: “اليوم لدينا نظام حكم راسخ يجب احترامه.”

وشدد على أن الصومال تسعى إلى استعادة سيادتها وتطلب من المجتمع الدولي والشركاء الآخرين التعامل مع الدولة بشكل مباشر، بدلاً من التعامل مع جهات فاعلة غير حكومية.

الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال وتصعيد التوترات

تأتي هذه التطورات أيضاً بعد اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في ديسمبر الماضي، وهي خطوة يعتقد العديد من الصوماليين أن الإمارات سهلتها. وامتنعت الإمارات عن التوقيع على بيان عربي وإسلامي مشترك في ديسمبر يدين اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، لكنها أصدرت في السابع من يناير بياناً مشتركاً مع الاتحاد الأفريقي تؤكد فيه “دعمها لسيادة الصومال ووحدتها وسلامتها وأمنها واستقرارها”.

يعرب عمر عن ثقته في أن دولاً أخرى لن تحذو حذو إسرائيل، مشيراً إلى الجهود الدبلوماسية التي تبذلها الصومال والمخاوف القارية. كما حذر من أن اعتراف إسرائيل بأرض الصومال قد يفتح “صندوق باندورا” من خلال تشجيع حركات انفصالية أخرى.

وأشار إلى أن هناك انقسامات داخلية في أرض الصومال حول مسألة الانفصال، حيث أن القبائل الشرقية قد انفصلت بالفعل لتشكيل ولاية شمال شرق، وهناك ديناميكيات مماثلة تتشكل في الغرب.

وحذر عمر من أن التقارير عن احتمال وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية في أرض الصومال تشكل خطراً أمنياً إقليمياً أكبر. وقال: “المنطقة لديها ما يكفي من الفوضى والمشاكل وانعدام الأمن. إن إدخال إسرائيل إلى المنطقة لن يخلق سوى المزيد من التحديات.” وحذر من أن مثل هذا الوجود قد يجذب مقاتلين مسلحين إلى منطقة تشهد بالفعل نشاطاً لتنظيمي داعش وحركة الشباب.

من المتوقع أن تشهد الأيام والأسابيع القادمة مزيداً من التطورات في هذا الملف، بما في ذلك رد فعل الإمارات المحتمل، والجهود الدبلوماسية التي تبذلها الصومال لحشد الدعم الدولي لموقفها. كما يجب مراقبة التداعيات الداخلية في الصومال، وخاصة رد فعل الولايات الأعضاء التي تتمتع بعلاقات وثيقة مع الإمارات. يبقى مستقبل العلاقات بين الصومال والإمارات غير واضح، لكن من المؤكد أن هذه الأزمة ستترك أثراً عميقاً على المشهد السياسي والأمني في المنطقة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version