أعلنت دول الساحل – مالي وبوركينا فاسو والنيجر – عن خطوات متسارعة لتوثيق تحالفها في قمة عقدت مؤخراً في باماكو، في ظل تصاعد التحديات الأمنية والسياسية التي تواجهها المنطقة. ويهدف هذا التحالف، المعروف باسم “تحالف دول الساحل” (AES)، إلى إعادة تنظيم الأولويات الإقليمية، وتقليص النفوذ الفرنسي، وتعزيز التعاون العسكري والاقتصادي. يُعد هذا التحول علامة فارقة في ديناميكيات القوة في غرب إفريقيا.

تأتي هذه التطورات بعد فترة من عدم الاستقرار شهدت انقلابين عسكريين في مالي عامي 2020 و2021، وانقلابات مماثلة في بوركينا فاسو والنيجر. وقد اتخذت هذه الدول خطوات حاسمة لإنهاء العلاقات مع فرنسا، وطرد القوات الفرنسية، وسحب مهمة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وإعادة رسم تحالفاتها الإقليمية.

تحديات أمنية متزايدة وتأثير تحالف دول الساحل

تواجه منطقة الساحل تهديدات أمنية متزايدة من الجماعات المتطرفة، وعلى رأسها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)، وهي فرع تابع لتنظيم القاعدة. وقد وسعت هذه الجماعة نطاق عملياتها من المناطق الريفية في مالي لتشمل دولاً أخرى في المنطقة، وحتى سواحل بنين، مستغلة ضعف الدولة وغياب العدالة الاجتماعية. تشير التقارير إلى أن الجماعات المسلحة تسيطر على مساحات واسعة من الأراضي.

وقد فرضت الجماعات المسلحة حصارًا على باماكو منذ سبتمبر الماضي، مما أدى إلى نقص حاد في الوقود والبضائع، وفقًا للحكومة العسكرية المالية. أدت أزمة الوقود إلى طوابير طويلة أمام محطات البنزين، ولكن الحياة استمرت في المدينة رغم الصعوبات. ومع ذلك، يتردد في باماكو أن الحكومة قد توصلت إلى اتفاقيات سرية مع الجماعات المسلحة للحفاظ على تدفق الإمدادات إلى المدينة.

مشاريع اقتصادية جديدة لدعم التحالف

خلال القمة، تم تدشين بنك جديد للاستثمار والتنمية في منطقة الساحل، والذي يهدف إلى تمويل مشاريع البنية التحتية دون الاعتماد على المقرضين الغربيين. كما تم إطلاق قناة تلفزيونية جديدة تهدف إلى تقديم سردية موحدة للمنطقة، وإعطاء صوت لشعوب الساحل. بالإضافة إلى ذلك، تم تأسيس قوة عسكرية مشتركة للعمل عبر الحدود لمكافحة الجماعات المسلحة.

تعتبر هذه المشاريع بمثابة خطوات ملموسة لتعزيز التعاون الاقتصادي والأمني بين الدول الثلاث، وتقليل الاعتماد على القوى الخارجية. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات كبيرة في طريق تنفيذ هذه المشاريع، بما في ذلك نقص التمويل والقدرات المؤسسية. كما أن التمويل يعتمد على مصادر محدودة، ما يطرح أسئلة حول الاستدامة.

الخروج من النفوذ الفرنسي والتقارب مع روسيا

شهدت مالي وبوركينا فاسو والنيجر تحولات سياسية مماثلة، ولكن المسار الذي أوصلها إلى تحالف مشترك تميز بتغيير كبير في العلاقات الخارجية. فبعد عقود من النفوذ الفرنسي القوي في المنطقة، بدأت الحكومات العسكرية الجديدة في طرد القوات الفرنسية وإعادة تقييم الشراكات الاستراتيجية.

وقد أثار هذا التحول مخاوف في باريس، التي تعتبر المنطقة جزءًا من دائرة نفوذها التاريخي. وتتهم الحكومات الجديدة فرنسا بالتدخل في شؤونها الداخلية، وعدم احترام سيادتها. في المقابل، تسعى فرنسا إلى الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، خاصة فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب واستخراج الموارد الطبيعية.

في الوقت نفسه، شهدت هذه الدول تقاربًا متزايدًا مع روسيا، وزيادة التعاون العسكري مع شركة فاغنر الروسية. وقد ساهمت هذه الشركات في تدريب القوات المحلية، وتزويدها بالأسلحة، وتقديم الدعم اللوجستي. إلا أن وجود فاغنر أثار انتقادات من منظمات حقوق الإنسان، التي تتهمها بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق.

الوضع المستقبلي والتوترات الإقليمية

يظل مستقبل تحالف دول الساحل غير واضحًا، حيث تواجه المنطقة تحديات أمنية وسياسية واقتصادية معقدة. تشير التقديرات إلى أن الوضع قد يتدهور إذا لم يتم إيجاد حلول مستدامة للأزمات المتعددة. من المهم متابعة التطورات على الأرض، وتقييم مدى قدرة التحالف على تحقيق أهدافه المعلنة، وعلى التعامل مع الضغوط الداخلية والخارجية.

من المتوقع أن تتولى بوركينا فاسو رئاسة التحالف الدورية في الأشهر المقبلة، مما سيوفر فرصة لتقييم التقدم المحرز، وتحديد الأولويات الجديدة. سيتعين على القيادة الجديدة التعامل مع ملفات حساسة، مثل تمويل المشاريع الاقتصادية، وتنسيق العمليات العسكرية، وإدارة العلاقات مع الدول المجاورة. تستمر التوترات مع بعض دول المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا (إيكواس) في الارتفاع، ما قد يؤثر على استقرار المنطقة.

الكلمات المفتاحية: تحالف دول الساحل، مالي، بوركينا فاسو، النيجر، الأمن الإقليمي

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version