من يتابع حرب لبنان مباشر هذه الأيام يلاحظ مشهداً متناقضاً بامتياز: قمة رئاسية في واشنطن تتحدث عن تهدئة ومسار سياسي، بينما تتواصل الانفجارات والغارات الإسرائيلية على القرى الجنوبية في التوقيت نفسه تقريباً. هذا التزامن بين الدبلوماسية والنار الميدانية يستحق قراءة متأنية لفهم أين يقف لبنان فعلياً بين هذين المسارين.

الجيش اللبناني يدخل زوطر الغربية: خطوة نحو نزع سلاح جنوب الليطاني

أعلنت قيادة الجيش اللبناني بدء الانتشار في بلدة زوطر الغربية بالنبطية بالتنسيق مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان، في إطار ما يُعرف بـ”المناطق التجريبية” التي انطلقت أيضاً في قريتي فرون وصريفا، تنفيذاً لما تم الاتفاق عليه في محادثات روما بين إسرائيل ولبنان الأسبوع الماضي.

ما الذي يحدث فعلياً على الأرض؟

  • دخلت آليات فوج الهندسة والتدخل الثاني في الجيش اللبناني إلى البلدة بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منها
  • تعمل وحدات مختصة على تفجير ذخائر غير منفجرة خلفتها المواجهات السابقة في المنطقة
  • نقل مسؤول أميركي لوكالة أكسيوس أن الجيش اللبناني سيتولى مسؤولية هذه المناطق و”إخلائها من أسلحة حزب الله”

دعت قيادة الجيش المواطنين إلى عدم التوجه نحو البلدة ريثما يستقر الوضع الأمني، والتقيد بتوجيهات الوحدات العسكرية المنتشرة حفاظاً على سلامتهم، في إشارة إلى أن العملية لا تزال في مراحلها الأولى الحساسة.

التفجيرات الإسرائيلية المستمرة: كيف تتزامن مع مسار “الانتشار”؟

في الوقت الذي كان فيه الجيش اللبناني يدخل زوطر الغربية، واصل الجيش الإسرائيلي تنفيذ عمليات تفجير وقصف في بلدات جنوبية أخرى، ما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كانت هذه الخطوة “التجريبية” تمثل تهدئة حقيقية أم مجرد إعادة ترتيب لواقع ميداني لا يزال الطرف الإسرائيلي يتحرك فيه بحرية.

جدول يوثق التزامن بين الانتشار والتصعيد الميداني

الموقع الحدث المسجل
زوطر الغربية دخول آليات الجيش اللبناني بعد انسحاب إسرائيلي
كفرتبنيت وميس الجبل تفجيرات إسرائيلية في التوقيت نفسه تقريباً
كونين والنبطية الفوقا ودير سريان قصف مدفعي وتفجيرات إسرائيلية إضافية خلال الساعات نفسها
المنصوري غارة إسرائيلية منفصلة على البلدة الجنوبية

نشرت وسائل إعلام عبرية صورة ملتقطة بالأقمار الاصطناعية لبلدة زوطر الغربية تُظهر دماراً واسعاً في عدد من الأبنية، ما يعكس حجم الأضرار التي خلّفتها المواجهات السابقة قبل بدء عملية الانتشار الحالية.

من يتفاوض مع من؟ قراءة تحليلية للمعادلة الأميركية

يكمن جوهر الإشكالية في طبيعة الوسيط نفسه: فالطرف الذي يتولى رعاية “المناطق التجريبية” والتفاوض باسم لبنان هو الإدارة الأميركية، وهي في الوقت ذاته الداعم العسكري الرئيسي لإسرائيل تاريخياً. هذا التداخل بين دور الوسيط ودور الحليف العسكري لأحد طرفي النزاع يجعل كثيرين في لبنان يتساءلون عن مدى توازن هذه المعادلة، خصوصاً حين تستمر الغارات الإسرائيلية بالتوازي مع كل خطوة تفاوضية جديدة، وكأن الميدان يُدار بمنطق منفصل عن طاولة المفاوضات تماماً.

حزب الله بين الانتشار والقتال: خيار محفوف بالمخاطر

يجد حزب الله نفسه أمام معادلة صعبة، بين قبول مسار نزع السلاح في المناطق التجريبية كجزء من ترتيبات تعيد للدولة اللبنانية حصرية القرار الأمني، وبين ضغط داخلي يدفعه نحو الرد على الغارات الإسرائيلية المستمرة التي لا تتوقف رغم كل الترتيبات المعلنة. وبين هذين الخيارين، يبدو لبنان الرسمي، ممثلاً برئاسته المفاوضة رغم استمرار سقوط الدماء، في موقع أضعف نسبياً مقارنة بطرف يرى في القتال الرد الوحيد الممكن على استمرار الخروقات.

أصوات أخرى في هذا الجدل

في المقابل، تبرر إسرائيل والولايات المتحدة استمرار هذه العمليات بمخاوف أمنية مرتبطة بمنع إعادة تسلح حزب الله جنوب نهر الليطاني، معتبرتين أن إطار “المناطق التجريبية” هو بالضبط الآلية المتفق عليها لتفادي تكرار المواجهات الكبرى مستقبلاً، لا استمراراً لها. كما تشير مصادر أميركية إلى أن نجاح هذا الإطار مرهون بتعاون كل الأطراف، بما فيها حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وحدها، وأن أي تقييم نهائي لجدوى هذه الخطوة يحتاج وقتاً أطول من أيام معدودة فقط.

في الختام

بين جيش لبناني يحاول استعادة زمام الأمن الكامل في الجنوب، وغارات إسرائيلية لا تتوقف، ووساطة أميركية يُشكك كثيرون في حيادها الكامل، يبدو لبنان اليوم عالقاً بين رئاسة تراهن على التفاوض ومقاومة ترى في السلاح ضمانتها الوحيدة. هل تعتقد أن مسار “المناطق التجريبية” سينجح في تحقيق تهدئة مستدامة، أم أنه مجرد استراحة قصيرة قبل جولة تصعيد جديدة؟

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version