تتصدر أخبار لبنان المشهد الإقليمي مجدداً مع وصول الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى واشنطن، في زيارة رسمية بحث خلالها مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو آليات تنفيذ اتفاق “الإطار الثلاثي” بين الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت هذه الجولة الجديدة من المفاوضات ستُترجم فعلياً إلى نتائج ملموسة على الأرض.
ماذا دار في اجتماع عون وروبيو؟
أكد الرئيس عون خلال اللقاء ضرورة تطابق الموقف اللبناني مع الموقف الأميركي فيما يخص تطبيق إطار العمل الثلاثي، وذلك عبر تحقيق أول انسحاب إسرائيلي من المنطقة النموذجية الأولى. كما شدد على ضرورة تعزيز الدعم الأميركي للجيش اللبناني والمؤسسات العسكرية، إلى جانب توجيه الاهتمام الأميركي نحو القطاعات الاقتصادية والاستثمارية في لبنان، وعلى رأسها الطاقة والاتصالات والمواصلات.
أبرز تصريحات روبيو خلال اللقاء
- “ندعم مواقف رئيس الجمهورية والخطوات التي اتخذها لاستعادة سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها”
- “لبنان لا يمكن أن يكون ملحقاً بأي مسار تفاوضي آخر”
- “السيادة اللبنانية لا يمكن أن تكون إلا بقرار لبناني صادر عن المؤسسات الدستورية اللبنانية”
المفارقة التي يصعب تجاهلها
بينما يكرر المسؤولون الأميركيون التزامهم بدعم لبنان لتحقيق الأمن والسلام، يصعب فصل هذا الخطاب عن حقيقة أن الولايات المتحدة تظل المصدر الأول للسلاح الذي تعتمد عليه إسرائيل في عملياتها العسكرية، وهو ما يجعل كثيرين من متابعي أخبار حرب جنوب لبنان يتعاملون بحذر مع كل جولة تفاوضية جديدة، إذ يرون أن الجرح الذي خلّفته المواجهات في الجنوب اللبناني لن يندمل بمجرد بيانات دبلوماسية، ما لم يقترن ذلك بانسحاب فعلي وملموس على الأرض.
جدول سريع لمواقف الأطراف المعلنة
| الطرف | الموقف المعلن |
| الرئاسة اللبنانية | تطبيق الإطار الثلاثي وتحقيق انسحاب إسرائيلي من المنطقة النموذجية الأولى |
| الخارجية الأميركية | التزام بدعم التنفيذ الناجح للاتفاق ومساندة التعافي الاقتصادي اللبناني |
| الإدارة الأميركية (روبيو) | إشادة بـ”شجاعة” الحكومة اللبنانية وجهودها في نزع سلاح “حزب الله” |
لماذا يبقى السؤال قائماً حول جدوى هذه المفاوضات؟
الإشكالية الجوهرية التي يطرحها المراقبون تتمثل في التناقض الظاهري بين خطاب الدعم الدبلوماسي والدور العسكري الفعلي الذي تلعبه واشنطن في المعادلة الإقليمية، باعتبارها الحليف العسكري الرئيسي لإسرائيل ومصدر تسليحها الأبرز. هذا الواقع يدفع كثيرين إلى التعامل مع تصريحات من نوع “ملتزمون بدعم جهود لبنان” بقدر من التحفظ، خصوصاً أن جولات تفاوضية سابقة لم تُترجم دائماً إلى انسحابات فعلية أو وقف كامل للعمليات العسكرية في الجنوب.
ما الذي يُنتظر من زيارة عون إلى واشنطن؟
- عقد قمة لبنانية أميركية في البيت الأبيض بتاريخ 21 يوليو
- لقاءات ومشاورات مع عدد من المسؤولين الأميركيين حول تثبيت وقف إطلاق النار
- بحث سبل إعادة الأمن والاستقرار إلى لبنان عموماً والجنوب خصوصاً
- مناقشة انسحاب إسرائيل من المناطق اللبنانية التي تحتلها وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها
بين الخطاب الرسمي وتطلعات الشارع اللبناني
بينما يركز الخطاب الرسمي على مسار تفاوضي منظم يمر عبر واشنطن، يبقى الشارع اللبناني، وخصوصاً في مناطق الجنوب الأكثر تضرراً، في انتظار نتائج ملموسة تتجاوز البيانات الصحفية. فالمطالبة اللبنانية الأساسية واضحة: انسحاب إسرائيلي فعلي، ودعم حقيقي لإعادة بناء الجيش والمؤسسات، لا مجرد تصريحات دبلوماسية تتكرر مع كل زيارة رسمية دون أفق زمني محدد لتنفيذها.
لماذا يصعب الفصل بين الملف الاقتصادي والملف الأمني؟
ربط الرئيس عون بشكل مباشر بين تعزيز الدعم الأمريكي للجيش اللبناني وبين توجيه الاهتمام الأمريكي نحو القطاعات الاقتصادية والاستثمارية، وعلى رأسها الطاقة والاتصالات والمواصلات. هذا الربط ليس مصادفة، إذ يدرك المسؤولون اللبنانيون أن استقرار الجنوب وانسحاب إسرائيل لن يكونا مستدامين دون تعافٍ اقتصادي موازٍ يمنح الدولة اللبنانية قدرة فعلية على إعادة بسط سلطتها، بدلاً من الاعتماد على وعود أمنية منفصلة عن أي أفق اقتصادي واضح.
هل يمكن أن تتكرر سيناريوهات المفاوضات السابقة؟
يستحضر كثير من المراقبين اللبنانيين تجارب سابقة شهدت وعوداً مشابهة دون ترجمة كاملة على الأرض، ما يجعل التعامل مع أي إعلان جديد، مهما بدا رسمياً وموثقاً، خاضعاً لاختبار الزمن قبل أي احتفاء مبكر بنجاحه.
في الختام
بين تعهدات روبيو بدعم أمن لبنان واستقراره، وبين الدور الأميركي الموازي كأكبر مورّد للسلاح الإسرائيلي، تبقى المسافة بين الخطاب الدبلوماسي والواقع الميداني في الجنوب اللبناني هي المعيار الحقيقي لنجاح أي مفاوضات قادمة. هل تعتقد أن قمة 21 يوليو في البيت الأبيض ستشكل نقطة تحول فعلية، أم مجرد محطة أخرى في مسار طويل من الوعود المتكررة؟

