يشهد العالم تحولاً جيوسياسياً كبيراً، ومع تصاعد التوترات في مناطق مختلفة، أصبح التركيز على المنافسة بين القوى العظمى محوراً أساسياً في صنع القرار السياسي والاستراتيجي. فبعد فترة طويلة من الهيمنة الأمريكية، تبرز قوى جديدة مثل الصين وروسيا تسعى لإعادة تشكيل النظام العالمي، مما يثير تساؤلات حول مستقبل السياسة الدولية ومصالح الولايات المتحدة في هذا السياق المتغير. هذا التحول يتطلب إعادة تقييم شاملة للتهديدات والاستراتيجيات الأمريكية.
تتزايد المخاوف بشأن طبيعة العلاقات الدولية في السنوات الأخيرة، وخصوصاً مع تدهور الأوضاع في الشرق الأوسط وتصاعد حدة الصراعات. ففي عام 2025، انخرطت الولايات المتحدة والدول الكبرى الأخرى في سلسلة من الأزمات، بما في ذلك الهجمات على المنشآت النووية الإيرانية وتفاقم الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة. هذه التطورات دفعت البعض إلى القلق بشأن عودة الولايات المتحدة إلى “الحروب الأبدية” في الشرق الأوسط، وهو ما تعهد الرئيس ترامب بتجنبه.
إعادة التفكير في الأولويات: تحول التركيز بعيداً عن الشرق الأوسط نحو المنافسة بين القوى العظمى
على الرغم من أهمية الأحداث الجارية في الشرق الأوسط، يرى العديد من المحللين السياسيين أن التحديات الحقيقية للمصالح الأمريكية والنظام العالمي تأتي من الصين وروسيا. فقد انتهى عهد التفوق الأمريكي الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفيتي، وبدأت حقبة جديدة من التنافس الحاد بين القوى الكبرى. يتطلب هذا الوضع من واشنطن تبني استراتيجية جديدة تركز على احتواء النفوذ الصيني والروسي وتعزيز مكانتها في النظام الدولي.
أوجه التشابه بين الوضع الحالي والحرب الباردة
هناك أوجه تشابه عديدة بين المنافسة الحالية وبين الحرب الباردة التي شهدها العالم في القرن العشرين. أولاً، يشهد العالم اليوم هيمنة قوتين عظيمتين، وهما الولايات المتحدة والصين، على غرار هيمنة الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في الماضي. ثانياً، هناك صراع أيديولوجي بين هذه القوى، حيث تمثل الولايات المتحدة الديمقراطية، بينما تمثل الصين وروسيا الأنظمة الاستبدادية. الأمر الثالث يتعلق بالرغبة في توسيع النفوذ العالمي، وهو ما سعت إليه القوى العظمى في كلتا الحالتين.
الاختلافات الجوهرية التي تميز الوضع الحالي
ومع ذلك، هناك أيضاً اختلافات كبيرة بين الوضع الحالي والحرب الباردة. فالولايات المتحدة لا تزال تتمتع بقوة تفوق قوة الصين في العديد من المجالات، بما في ذلك القدرات العسكرية والاقتصادية والأيديولوجية. علاوة على ذلك، برزت العديد من القوى الإقليمية المتوسطة، مثل البرازيل والهند وإندونيسيا والمملكة العربية السعودية وجنوب إفريقيا، التي لا ترغب في الانحياز بشكل حصري إلى أي من الطرفين المتنافسين. وهذا يعقد المشهد الجيوسياسي ويجعل من الصعب على الولايات المتحدة بناء تحالفات قوية ضد الصين وروسيا.
فيما يتعلق بالجانب الأيديولوجي، فإن الصراع الحالي أقل حدة من الحرب الباردة. لم تسع الصين إلى نشر نموذجها الحاكم في جميع أنحاء العالم بنفس الطريقة التي سعى بها الاتحاد السوفيتي إلى نشر الشيوعية. بيد أن روسيا، بقيادة فلاديمير بوتين، تبدي عدوانية أكبر في الترويج لأيديولوجيتها القومية المتطرفة والسعي إلى تقويض النظام الدولي الليبرالي. إلا أن قدرات روسيا لا تضاهي قدرات الصين في تحقيق هذه الأهداف.
تداعيات ذلك على السياسة الأمريكية والاستراتيجية العالمية
يتطلب هذا التحول في موازين القوى من الولايات المتحدة إعادة تقييم استراتيجيتها العالمية. فبدلاً من التركيز بشكل مفرط على الشرق الأوسط، يجب على واشنطن تحويل اهتمامها ومواردها إلى مواجهة التحدي الصيني الروسي. يتضمن ذلك تعزيز التحالفات مع الدول التي تشاركها قيمها ومصالحها، والاستثمار في القدرات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، وتطوير استراتيجية متكاملة للتعامل مع التهديدات التي تشكلها هذه القوى. المنافسة بين القوى العظمى تتطلب أيضاً دبلوماسية حذرة وتجنب التصعيد غير الضروري.
كما أن التحديات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية في الولايات المتحدة تتطلب اهتماماً خاصاً، حيث أن قوة البلاد تعتمد أيضاً على قدرتها على معالجة هذه المشكلات. يتطلب ذلك استثمارات في التعليم والبنية التحتية والابتكار، فضلاً عن سياسات تعزز النمو الاقتصادي وتخلق فرص عمل جديدة. المنافسة بين القوى العظمى تؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد الأمريكي، مما يتطلب استجابة فعالة ومرنة.
الاستقرار الإقليمي، خاصة في مناطق مثل بحر الصين الجنوبي وشرق أوروبا، أصبح أمراً بالغ الأهمية. وتركز جهود الاحتواء على منع الصين وروسيا من بسط نفوذهما بشكل مفرط في هذه المناطق. يتطلب ذلك وجوداً عسكرياً أمريكياً قوياً في المنطقة، فضلاً عن تعاون وثيق مع الحلفاء والشركاء. المنافسة بين القوى العظمى تتطلب أيضاً القدرة على الاستجابة للأزمات بشكل سريع وفعال.
في الختام، المشهد العالمي يشهد تحولاً عميقاً، والمنافسة بين القوى العظمى أصبحت هي السمة الرئيسية لهذا التحول. من المتوقع أن يواصل الرئيس ترامب وحكومته الكونجرس الأمريكي والنظام السياسي ككل تقييم هذه التحديات وتطوير استراتيجيات مناسبة. في الأشهر المقبلة، سيكون من المهم متابعة التطورات في العلاقات الأمريكية الصينية والروسية، بالإضافة إلى الأوضاع في الشرق الأوسط، لتحديد الاتجاه الذي ستسلكه السياسة الدولية. يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتمكن من الحفاظ على مكانتها كقوة عظمى في هذا النظام العالمي المتغير.

