أعلنت شركة ميتا (Meta) عن اتفاقية تاريخية لشراء الوقود النووي عالي التخصيب (HALEU) من شركة Oklo، وهي شركة ناشئة في مجال الطاقة النووية. ويأتي هذا الاستثمار في إطار سعي ميتا لتشغيل مراكز البيانات الخاصة بها بطاقة نووية نظيفة ومستدامة، ويشكل خطوة مهمة نحو زيادة الاعتماد على الطاقة النووية في تلبية احتياجات الطاقة المتزايدة لمراكز البيانات الضخمة. ويأمل الطرفان أن تساهم هذه الشراكة في تطوير الجيل القادم من تكنولوجيا الطاقة النووية في الولايات المتحدة.
صفقة ميتا تسرّع تطوير الطاقة النووية في أمريكا
تمثل الصفقة، التي تم الإعلان عنها مؤخرًا، سابقة من نوعها، حيث تقوم شركة تكنولوجيا، أو ما يعرف بـ “Hyperscaler”، بشراء الوقود النووي مباشرةً، بدلاً من الاعتماد على شركات المرافق التقليدية. ووفقًا لـ Urvi Parekh، رئيسة قسم الطاقة العالمي في ميتا، فإن هذا المشروع سيخلق فرص عمل، ويعزز الابتكار المحلي، ويدفع بالقيادة الأمريكية في مجال تكنولوجيا الطاقة. وتأتي هذه الخطوة في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة اهتمامًا متزايدًا بالطاقة النووية كحل للطاقة النظيفة والموثوقة.
تحديات الوقود النووي والاعتماد على مصادر أجنبية
لطالما كان الحصول على الوقود النووي المناسب تحديًا رئيسيًا لشركات مثل Oklo، التي تسعى إلى تطوير مفاعلات نووية أصغر حجمًا وأكثر كفاءة. تتطلب هذه المفاعلات وقود HALEU، الذي يتيح عمليات أكثر فعالية، لكن الإنتاج التجاري لهذا الوقود كان يقتصر على روسيا والصين. وقد أدت هذه الاعتمادية على مصادر أجنبية إلى مخاوف بشأن سلاسل التوريد والأمن القومي.
تهدف صفقة ميتا إلى حل هذه المشكلة من خلال توفير التمويل اللازم لشركة Oklo لإنتاج الوقود الذي تحتاجه. وبالتالي، ستشجع هذه الخطوة الشركات الأخرى على الاستثمار في البنية التحتية اللازمة لإنتاج HALEU محليًا في الولايات المتحدة، مما يعزز استقلالية البلاد في مجال الطاقة النووية.
مفاعلات الجيل القادم: حلاً لتكاليف الطاقة المرتفعة
يأتي هذا الاتفاق في سياق أوسع من التطورات في صناعة الطاقة النووية الأمريكية. فبعد عقود من الركود في بناء مفاعلات جديدة، يشهد القطاع الآن موجة من الابتكار، بقيادة شركات مثل Oklo و X-energy و Kairos Power. تسعى هذه الشركات إلى تطوير مفاعلات أصغر حجمًا وأكثر أمانًا وفعالية من حيث التكلفة.
تقليديًا، كان بناء محطات الطاقة النووية يتطلب استثمارات ضخمة ووقتًا طويلاً. وقد شهد مشروع Southern Company في جورجيا، الذي تم الانتهاء منه مؤخرًا، تأخيرات كبيرة وتجاوزات في الميزانية. ومع ذلك، شهدت الوحدة الثانية من المشروع انخفاضًا في التكلفة بنسبة 30٪ مقارنة بالوحدة الأولى، مما يشير إلى إمكانية تحقيق وفورات في التكاليف من خلال تكرار نفس التصميم.
بدلاً من بناء مفاعلات مياه كبيرة تقليدية، تركز الشركات الناشئة على استخدام مواد تبريد مختلفة مثل الصوديوم والملح المنصهر والغاز عالي الحرارة. وتتطلب هذه التصاميم الجديدة وقودًا أكثر تخصيبًا، مثل HALEU، لزيادة كفاءة عملية الانشطار. ويعتبر تطوير تكنولوجيا المفاعلات الصغيرة المعيارية (SMRs) من المشاريع الواعدة لخفض التكاليف وتسريع عملية بناء محطات الطاقة النووية.
التحديات التنظيمية التي تواجه Oklo
على الرغم من صفقة ميتا الواعدة، لا تزال شركة Oklo تواجه بعض التحديات. فقد جمعت الشركة تمويلًا كبيرًا من المستثمرين الأفراد بعد طرحها للاكتتاب العام من خلال شركة استحواذ ذات أغراض خاصة (SPAC) في مايو 2024، إلا أنها لم تحقق أي إيرادات ملموسة حتى الآن. استثمارات الطاقة النظيفة تتطلب عادةً فترات عائد أطول.
بالإضافة إلى ذلك، لم تتقدم Oklo بطلب للحصول على ترخيص من لجنة تنظيم الطاقة النووية (NRC) منذ أكتوبر 2024. ووفقًا لمصادر داخل اللجنة، فإن طلب الشركة السابق كان “من أسوأ الطلبات التي تلقتها اللجنة على الإطلاق”. وتنتقد Oklo بدورها اللجنة لعرقلة الابتكار وتخطط لإعادة تقديم طلبها قريبًا.
ومع ذلك، يرى المحللون أن صفقة ميتا تشير إلى أننا نشهد تحولًا نحو معالجة بعض المشكلات الأساسية التي تواجه صناعة الطاقة النووية. ويقول Chris Gadomski، المحلل الرائد في مجال الطاقة النووية في BloombergNEF، إن هذه الخطوة طال انتظارها، وأن Oklo شركة تستحق المتابعة.
المرحلة القادمة ستشهد تركيزًا على جهود Oklo لإعادة تقديم طلب الترخيص إلى لجنة تنظيم الطاقة النووية، وتأمين الموافقات اللازمة لبدء إنتاج الوقود HALEU وتشغيل مفاعلاتها. وسيكون من المهم مراقبة تطورات هذه العملية، بالإضافة إلى استمرار جهود ميتا وغيرها من الشركات في الاستثمار في حلول الطاقة المستدامة، وذلك لتقييم مستقبل الطاقة النووية في الولايات المتحدة.

