أصبح الاستقطاب الرقمي ظاهرة متزايدة التأثير في العديد من دول العالم، بما في ذلك فنزويلا، حيث يساهم انتشار المنصات الرقمية في تعزيز الانقسامات القائمة وتشكيل آراء متطرفة. لم يعد الأفراد مجرد مستهلكين للأخبار، بل أصبحوا منتجين للمحتوى ومنافذ إعلامية خاصة بهم، مما أدى إلى تراجع دور المؤسسات الإعلامية التقليدية وتصاعد تأثير المعلومات الموجهة والشخصية.
تظهر التقارير الرقمية اتجاهًا واضحًا نحو الاعتماد المتزايد على المنصات الرقمية، خاصة بين الأجيال الشابة، للحصول على الأخبار والمعلومات. وفقًا للدراسات الحديثة، يشير ما يقرب من 16 بالمائة من مستخدمي الإنترنت إلى تطبيق TikTok كمصدر رئيسي للأخبار، بينما ترتفع النسبة إلى 19 بالمائة بالنسبة لتطبيق WhatsApp، و36 بالمائة لفيسبوك، و30 بالمائة ليوتيوب. هذا التحول يطرح تحديات كبيرة فيما يتعلق بمصداقية المعلومات وتنوع وجهات النظر.
تأثيرات الاستقطاب الرقمي وتحديات الحوار
لا يتطلب الاستقطاب الرقمي خوارزميات ضارة للتأثير على النقاش العام، بل هو نتيجة حتمية لتصميم هذه المنصات. تعتمد هذه المنصات على تعزيز أشكال معينة من التواصل والحوار، مما يؤدي إلى ظهور حلقة مفرغة حيث يبرز المحتوى العاطفي ويتشكل بناءً عليه هيكل الشبكة نفسها.
لا يتعلق الأمر بالضرورة بأن المستخدمين يبحثون عن الصراع أو بأن المنصات مصممة بنية شريرة، بل هو نتيجة طبيعية لمكافأة التفاعلات العاطفية على التحليلات المتأنية. ووفقًا للباحثين، فإن هذه “السمية” هي نتيجة غير مقصودة لآليات المشاركة الأساسية مثل إعادة التوجيه والإعجاب، مما يحول الشبكات إلى غرف صدى تعزز التحيزات النفسية.
دور المنصات الرقمية في فنزويلا
في سياق فنزويلا، يرى مراقبون أن المنصات الرقمية يمكن أن تكون مساحة للمقاومة وإيجاد الحلول، لكن تحقيق ذلك يتطلب نية حقيقية للانخراط في حوار بناء. يجد الكثيرون صعوبة في فهم وجهات النظر المختلفة عندما تهيمن الجروح العاطفية على العقلانية.
وترى مصادر فنزويلية، طلبت عدم الكشف عن هويتها، أن الأحداث الأخيرة قد أدت إلى استقطاب حاد بين الفنزويليين داخل وخارج البلاد. وتعبر هذه المصادر عن فهمها لفرحة أولئك الذين يرون في سجن نيكولاس مادورو تحقيقًا للعدالة، لكنها في الوقت نفسه تعارض التدخلات الأجنبية واستغلال الموارد الوطنية، وتدين تأثير القوى الإقليمية والدولية مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين.
كثرة المعلومات وقلة الانتباه
أحد العوامل الرئيسية التي تساهم في الاستقطاب الرقمي هو الإفراط في المعلومات. يؤدي هذا الحمل الزائد إلى تشتت الانتباه وتقليل القدرة على التركيز والتحليل العميق. يجد الأفراد أنفسهم في حالة من الإرهاق المعرفي، مما يدفعهم إلى تبني اختصارات ذهنية للوصول إلى استنتاجات سريعة.
ويشير الخبراء إلى أننا نميل إلى إغلاق أنفسنا على المعلومات التي تؤكد معتقداتنا المسبقة، متجاهلين أو رافضين وجهات النظر المخالفة. هذا التبسيط المفرط هو بمثابة ترياق للإرهاق المعلوماتي، لكنه في الوقت نفسه يعزز الانقسامات ويقلل من فرص الحوار البناء.
ويثير البعض قلقًا بشأن فقدان القدرة على التمييز بين الحقيقة والكذب، والاستعداد لقبول روايات جاهزة دون تدقيق أو تفكير نقدي. ويعتبر هذا الفقدان للقدرة على التمييز تهديدًا للوكالة الذاتية والمشاركة الفعالة في الحياة العامة.
ما نشهده في فنزويلا ليس نهاية القصة، بل هو بداية ديناميكية ستستمر في التطور. من المتوقع أن تستمر المنصات الرقمية في لعب دور محوري في تشكيل الرأي العام والتأثير على الأحداث السياسية والاجتماعية. ويتطلب التعامل مع هذه الديناميكية تعزيز الوعي الإعلامي وتشجيع الحوار البناء وتعزيز المؤسسات الإعلامية المستقلة.
مع استمرار تطور المشهد الإعلامي الرقمي، ستكون المراقبة الدقيقة لانتشار المعلومات المضللة وتأثيرها على المجتمع أمرًا حاسمًا. من الضروري أيضًا دراسة تأثير تصميم المنصات على سلوك المستخدمين وتطوير استراتيجيات لمكافحة الاستقطاب وتعزيز التنوع وشمولية المعلومات.

