احتفلت إسبانيا والبرتغال مؤخرًا بالذكرى الأربعين لانضمامهما إلى ما كان يعرف آنذاك بالمجتمع الاقتصادي الأوروبي، وهو حدث غيّر مسار البلدين بشكل جذري. شهدت هذه الفترة تحولًا اقتصاديًا واجتماعيًا هائلاً، حيث انتقلت الدولتان من اقتصادات متخلفة إلى قوى إقليمية داخل الاتحاد الأوروبي. هذا التحول، الذي يعود الفضل فيه إلى حد كبير إلى الاندماج الأوروبي، يمثل قصة نجاح ملحوظة في مواجهة التحديات التاريخية.
في عام 1986، كان كلا البلدين يتعافيان من عقود من الحكم الاستبدادي. في إسبانيا، توفي الديكتاتور فرانسيسكو فرانكو قبل 11 عامًا فقط، بينما كانت ثورة القرنفل في البرتغال عام 1974 لا تزال حديثة العهد. واجهت الدولتان تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة في ذلك الوقت.
تأثير الاندماج الأوروبي على النمو الاقتصادي
شهدت إسبانيا تحسنًا ملحوظًا في اقتصادها على مدار الأربعين عامًا الماضية. ففي نهاية عام 2025، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للبلاد ما يقرب من 1.5 تريليون يورو، أي ما يمثل زيادة ستة أضعاف مقارنة بمستواه في عام 1986. وقد أصبحت إسبانيا الآن رابع أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي.
كما انخفض معدل البطالة في إسبانيا، على الرغم من أنه لا يزال يمثل مشكلة، ليصل إلى 11٪. وقد لعبت الأموال الأوروبية دورًا حاسمًا في هذا التحول، حيث تلقت إسبانيا أكثر من 185 مليار يورو منذ عام 1986. تم استخدام هذه الأموال في بناء الطرق السريعة، وتحديث المناطق الريفية، وتمويل برامج التوظيف، ودعم الابتكار.
اتبعت البرتغال مسارًا مماثلاً. تضاعف الناتج المحلي الإجمالي للبرتغال على المدى الحقيقي خلال العقدين الأولين من عضويتها، مع معدلات نمو بلغت حوالي 6٪ حتى بداية القرن الحادي والعشرين، متفوقة على المتوسط الأوروبي. وارتفعت القدرة الشرائية للمواطن البرتغالي من 50% من متوسط المجتمع الاقتصادي الأوروبي في عام 1986 إلى قيم تقارب 75% من متوسط الاتحاد الأوروبي الحالي.
ساعدت الصناديق الهيكلية في تحديث البنية التحتية القديمة، مما أدى إلى “عصر ذهبي” للطرق السريعة وتحسين الطرق الوطنية والوصول الإقليمي، بالإضافة إلى تحديث الموانئ والمطارات والكهرباء وتوسيع خدمات الصرف الصحي الأساسية والتدريب المهني. اليوم، يتلقى ما يقرب من 200 ألف مزارع برتغالي دعمًا مباشرًا من السياسات الزراعية للاتحاد الأوروبي.
الحركة الحرة وتأثير اليورو
لم يقتصر الأمر على الجوانب الاقتصادية. فقد غيّرت حرية الحركة داخل منطقة شنغن حياة الملايين. شارك 1.6 مليون مواطن إسباني في برنامج التبادل التعليمي إيراسموس منذ إنشائه. وفي البرتغال، درس أكثر من 55 ألف طالب جامعي في الخارج بفضل هذا البرنامج في السنوات الأخيرة.
أصبح السفر والدراسة والعمل في دولة أوروبية أخرى أمرًا طبيعيًا وليس امتيازًا. كما كان اعتماد اليورو كعملة موحدة في عام 1999، والذي أصبح رسميًا في عام 2002، خطوة إلى الأمام لكلا البلدين، مما عزز التكامل الاقتصادي.
التحديات المستمرة والمستقبل
لم يكن الطريق مفروشًا بالورود. فقد أثرت الأزمة المالية لعام 2008 بشكل كبير على إسبانيا والبرتغال. وصلت البطالة في إسبانيا إلى 27٪ في عام 2013، واضطرت البرتغال إلى طلب حزمة إنقاذ. تركت إجراءات التقشف والتقليل من الإنفاق العام ندوبًا لا تزال محسوسة حتى اليوم.
ومع ذلك، أكد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن “شوقًا للتقدم والأمل أصبح أعظم رافعة تحويلية لبلدنا”. وأضاف وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس أن “إسبانيا قوية وديمقراطية تعني أوروبا قوية وديمقراطية”.
بالإضافة إلى ذلك، لا يزال كلا البلدين يواجهان مشاكل هيكلية. لا يزال الإنتاجية الإسبانية منخفضة مقارنة بدول مثل ألمانيا وفرنسا. وتعاني البرتغال من أحد أدنى معدلات المواليد في العالم، مما يهدد نموها المستقبلي. وعلى الرغم من أن الدعم العام للاتحاد الأوروبي لا يزال مرتفعًا، حيث صنّف 73٪ من الإسبان و 91٪ من البرتغاليين عضوية الاتحاد الأوروبي على أنها إيجابية، إلا أن الاتحاد يواجه تحديات تهدد نموذجه.
في إطار الاحتفالات بالذكرى الأربعين لتوقيع معاهدة الانضمام في يونيو، شدد رئيس الوزراء البرتغالي لويس مونتينيغرو على أن “عملية الاندماج الأوروبي غيّرت مسار البلاد بشكل لا رجعة فيه، مما أتاح تحولًا عميقًا اقتصاديًا واجتماعيًا وديمقراطيًا”. ووقّع رئيس الوزراء والرئيس على الإعلان الليس بوني، الذي “يؤكد الالتزام القوي للبرتغال بالدفاع عن وتعزيز وتقوية المشروع الأوروبي، بهدف المساهمة في اتحاد أوروبي أكثر أمانًا وعدالة وابتكارًا وازدهارًا، وتعزيز التقدم الاجتماعي والنمو الاقتصادي والتقارب والتماسك لصالح جميع المواطنين”.
من المتوقع أن يستمر كلا البلدين في الاستفادة من التمويل الأوروبي في السنوات القادمة، مع التركيز على الاستدامة والتحول الرقمي. ومع ذلك، فإن مستقبل الاندماج الأوروبي نفسه لا يزال غير مؤكد، حيث تواجه المنطقة تحديات جيوسياسية واقتصادية متزايدة. سيكون من المهم مراقبة كيفية استجابة الاتحاد الأوروبي لهذه التحديات وكيف ستؤثر على مسار إسبانيا والبرتغال.

