تواجه عملية إطلاق اليورو الرقمي صعوبات في البرلمان الأوروبي، حيث يواجه المشرعون صعوبة في التوصل إلى توافق بشأن تصميمه، مما يعرض المسار التشريعي للمشروع للخطر. وتأتي هذه التحديات في وقت يزداد فيه الاهتمام بالعملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDC) وأهميتها في تعزيز السيادة المالية لأوروبا. وقد كشفت مصادر مطلعة عن خلافات جوهرية حول الشكل النهائي لليورو الرقمي.
وعقد المشرعون اجتماعًا يوم الثلاثاء الماضي لمناقشة هذه الخلافات، وأظهرت الوثائق التي اطلعت عليها وكالة يورونيوز وجود تباين كبير في الرؤى حول طبيعة اليورو الرقمي. ويشكل هذا التباين عقبة كبيرة أمام التقدم في المشروع، خاصةً مع اقتراب الموعد النهائي للتصويت في البرلمان الأوروبي. وتعتبر هذه القضية جزءًا من نقاش أوسع حول مستقبل المدفوعات الرقمية في أوروبا.
خلافات حول تصميم اليورو الرقمي
وفقًا لجدول أعمال الاجتماع، قدم فرناندو نافاريتي، الممثل عن حزب الشعب الأوروبي (EPP) ورئيس الملف في البرلمان الأوروبي، مقترحًا جديدًا يصف اليورو الرقمي بأنه “نقد إلكتروني” (e-cash). يهدف هذا النموذج إلى استخدامه حصريًا في المدفوعات غير المتصلة بالإنترنت (offline payments) كشكل رقمي “مُمَيز” (tokenised) للنقد، دون منح المستخدمين حسابات تجزئة مباشرة على دفتر الأستاذ (ledger) للبنك المركزي الأوروبي.
في المقابل، يدعم حزبا الاشتراكيين والديمقراطيين (S&D) و Renew Europe مقترح المفوضية الأوروبية، الذي يسمح للمستخدمين بفتح حسابات تجزئة على دفتر الأستاذ الخاص بالبنك المركزي الأوروبي واستخدام اليورو الرقمي في كل من المعاملات عبر الإنترنت وغير المتصلة بالإنترنت. ويرى هؤلاء أن هذا النموذج يضمن أقصى قدر من الشمولية والمرونة.
أهمية السيادة المالية
أكد نيكوس باباندريو، الممثل عن حزب S&D، على أهمية امتلاك أوروبا والسيطرة على بنيتها التحتية الحيوية. وأشار إلى أن الوقت الحالي يشهد تغييرات جيوسياسية غير مسبوقة، وتراجع النظام الدولي القائم على القواعد، مما يجعل السيادة في مجال المدفوعات أمرًا بالغ الأهمية، ويجب أن تكون متجذرة في بنية تحتية مشتركة. ويعتبر هذا الرأي تعبيرًا عن قلق متزايد بشأن الاعتماد على أنظمة دفع خارجية.
بالإضافة إلى ذلك، يرى البعض أن اليورو الرقمي يمكن أن يعزز كفاءة المدفوعات ويقلل من التكاليف، خاصةً في المعاملات عبر الحدود. ومع ذلك، تثير هذه الفوائد المحتملة أيضًا مخاوف بشأن الخصوصية والأمن السيبراني.
الموقف الحالي والخطوات التالية
البرلمان الأوروبي هو المؤسسة الوحيدة التي لم تتخذ موقفًا نهائيًا بشأن الملف حتى الآن، حيث وافقت دول الاتحاد الأوروبي بالفعل على موقفها في ديسمبر الماضي. ومن المتوقع إجراء تصويت على الملف في الجلسة العامة للبرلمان الأوروبي في شهر مايو القادم، ولكن الانقسامات بين المشرعين قد تعيق إقراره.
في حال تمت الموافقة على اليورو الرقمي في الجلسة العامة، ستبدأ المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي والمجلس الأوروبي في التفاوض على اتفاق سياسي. ومع ذلك، لا يمكن أن تبدأ هذه المفاوضات إلا بعد أن يتفق البرلمان على موقفه. ويعتبر هذا التأخير مصدر قلق للجهات المعنية، حيث أن التأخر في إطلاق اليورو الرقمي قد يمنح ميزات تنافسية للعملات الرقمية الأخرى.
ومع ذلك، لا يزال هناك جدل حول ما إذا كان اليورو الرقمي سيحل محل النقد الفعلي أم سيعمل كشكل إضافي من أشكال المال. ويرى البعض أن اليورو الرقمي يمكن أن يقلل من الاعتماد على النقد، بينما يرى آخرون أنه يجب أن يظل النقد خيارًا متاحًا للجميع.
من المتوقع أن تشهد الأشهر القليلة القادمة مزيدًا من المناقشات والمفاوضات بين المشرعين الأوروبيين. ويجب مراقبة التطورات في البرلمان الأوروبي عن كثب، حيث أن نتيجة هذه المناقشات ستحدد مستقبل اليورو الرقمي وتأثيره على النظام المالي الأوروبي. كما يجب متابعة التطورات المتعلقة بالعملات الرقمية للبنوك المركزية الأخرى حول العالم، حيث أن هذه التطورات قد تؤثر على تصميم اليورو الرقمي.

