اعداد ادريس احميد: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 10–09-2026

بمناسبة انعقاد القمة الثامنة عشرة لمجموعة بريكس في نيودلهي يومي 12 و13 سبتمبر، تتجه الأنظار إلى مستقبل المجموعة ودورها في نظام دولي يشهد تحولات متسارعة. فبريكس لم تعد مجرد تجمع للدول الصاعدة بهدف تعزيز التجارة والاستثمار والتعاون الاقتصادي، بل أصبحت أمام فرصة لاختبار قدرتها على الانتقال من إطار للتنسيق بين اقتصادات كبيرة إلى أحد مراكز التأثير في الاقتصاد والسياسة الدوليين.
التحدي الحقيقي أمام المجموعة ليس توحيد مواقف أعضائها، بل تحويل اختلافاتهم إلى قوة اقتصادية ومؤسسية قادرة على التأثير في النظام العالمي.
فالحروب والعقوبات واضطرابات الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد، إلى جانب التنافس المتزايد على النفوذ والقواعد التي تحكم الاقتصاد العالمي، تفتح أمام بريكس مجالاً أوسع للتحرك. لكن السؤال لا ينبغي أن يكون: هل ستصبح بريكس تحالفاً ضد الولايات المتحدة والغرب؟ فهذا التصور يتجاهل طبيعة المجموعة وتباين مصالح أعضائها.
السؤال الأكثر دقة هو: هل تستطيع بريكس استثمار التحولات الدولية لبناء قوة اقتصادية ومؤسسية تجعلها أحد مراكز التأثير في النظام العالمي؟
بريكس.. قوة التناقضات
من المهم وضع بريكس في إطارها الصحيح. فهي ليست حلفاً عسكرياً، ولا تقوم على التزامات دفاع مشترك، ولا يمكن مقارنتها بحلف شمال الأطلسي، كما أنها ليست كتلة سياسية متجانسة.
داخل المجموعة دول تربطها علاقات وثيقة بالولايات المتحدة والغرب، ودول أخرى تخوض مواجهات استراتيجية معهما، إلى جانب خلافات وتنافسات بين أعضاء المجموعة أنفسهم.
وهذا ما يجعل بريكس مختلفة عن التحالفات التقليدية؛ فهي تقوم أساساً على تقاطع المصالح، وليس على وحدة المواقف.
قد تختلف الدول الأعضاء في السياسة والأمن، لكنها تستطيع التعاون عندما تتقاطع مصالحها في التجارة والطاقة والتمويل والتنمية والاستثمار. وهذه المرونة قد تكون إحدى نقاط قوتها الأساسية.
وتقدم العلاقة بين الصين والهند المثال الأوضح على ذلك. فالبلدان يتنافسان على النفوذ في آسيا، ولديهما خلافات حدودية ومصالح استراتيجية متعارضة، كما ينظر كل منهما بحذر إلى صعود الآخر. ومع ذلك، يجلس البلدان إلى الطاولة نفسها داخل بريكس.
ولا يعني ذلك أن الهند تعتبر الصين حليفاً. على العكس، تبدو نيودلهي حريصة على استخدام بريكس ضمن سياسة تقوم على الاستقلال الاستراتيجي: التعاون مع الصين عندما تتقاطع المصالح، والحفاظ في الوقت نفسه على علاقات قوية مع الولايات المتحدة والغرب وروسيا ودول أخرى.
ومن هذه الزاوية، يمكن لبريكس أن تؤدي دوراً مهماً في العلاقة الصينية ـ الهندية، ليس من خلال إنهاء التنافس بينهما، وإنما من خلال إدارته والإبقاء على قنوات التعاون مفتوحة ومنع الخلافات من التحول إلى مواجهة شاملة.
فكلما توسعت المصالح الاقتصادية المشتركة، ارتفعت، في بعض الحالات، تكلفة الصدام.
الاقتصاد في قلب الجغرافيا السياسية
قد يبدو للوهلة الأولى أن الحروب والصراعات لا علاقة لها بمجموعة ذات طابع اقتصادي. لكن الاقتصاد العالمي أثبت العكس.
فأي صراع كبير في منطقة الخليج يمكن أن يؤثر في أسعار النفط، وحركة الملاحة، وتكاليف التأمين والنقل، والتضخم، وأسعار الغذاء، وسلاسل الإمداد. وبالتالي تنتقل آثار الصراع من المجال السياسي والأمني إلى الاقتصاد العالمي، ومنه إلى الدول الأعضاء في بريكس.
لهذا السبب لا تحتاج بريكس إلى أن تصبح منظمة أمنية حتى تتأثر بالأزمات الدولية. يكفي أن تكون دولها من كبار مستوردي ومصدري الطاقة والغذاء والسلع، وأن تكون أسواقها مرتبطة بالتجارة العالمية.
وهنا تصبح حماية الاقتصاد من الصدمات الجيوسياسية جزءاً من مصالح المجموعة.
وتشكل إيران أحد الاختبارات الصعبة في هذا السياق. فهي عضو في بريكس، بينما تحتفظ دول أخرى داخل المجموعة بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة والغرب. وهذا يجعل من الصعب تصور موقف سياسي موحد تجاه كل أزمة دولية.
لكن غياب الموقف السياسي الموحد لا يعني بالضرورة غياب القدرة على التحرك. فقد يكون تحرك المجموعة أكثر واقعية عندما يركز على الآثار الاقتصادية للأزمات: أمن الطاقة، استقرار الأسواق، التجارة، النقل، المدفوعات، وسلاسل الإمداد.
وهنا تظهر طبيعة بريكس الحقيقية.
فهي لا تحتاج إلى أن تقول: «سنواجه الولايات المتحدة عسكرياً»، بل تستطيع أن تقول بصورة عملية: سنقلل تعرض اقتصاداتنا للصدمات والعقوبات والاضطرابات الخارجية.
وهذا فرق جوهري.
فالحروب التجارية، والعقوبات، واضطرابات الطاقة، وتغير سلاسل الإمداد، كلها تدفع دولاً كثيرة إلى البحث عن خيارات إضافية. وهنا تستطيع بريكس أن تستفيد من اللحظة الدولية.
فالهدف الأكثر واقعية ليس إسقاط الدولار أو إنشاء عملة موحدة للمجموعة في المستقبل القريب، وإنما بناء بدائل جزئية في مجالات الدفع والتمويل والتجارة والاستثمار.
إذا تمكنت دول بريكس من زيادة استخدام العملات المحلية في التجارة، وتطوير آليات دفع عابرة للحدود، وتعزيز دور مؤسساتها المالية، وزيادة الاستثمار المتبادل، فإنها ستبدأ في بناء شبكة اقتصادية تمنح أعضائها هامشاً أكبر من الاستقلال.
وقد يكون هذا أكثر أهمية من أي شعار سياسي.
فالقوة لا تأتي فقط من امتلاك عملة جديدة، وإنما من امتلاك خيارات جديدة.
من تجمع اقتصادي إلى قطب دولي؟
يمكن تصور ثلاثة مسارات أمام المجموعة.
المسار الأول أن تبقى بريكس منتدى سياسياً واقتصادياً يعقد القمم ويصدر البيانات، من دون بناء مؤسسات قوية، وفي هذه الحالة سيظل تأثيرها محدوداً.
المسار الثاني أن تنجح في تطوير مؤسسات اقتصادية ومالية فاعلة، فتتحول إلى قطب اقتصادي عالمي.
أما المسار الثالث، والأكثر طموحاً، فهو أن تتحول إلى أحد مراكز التأثير في صياغة قواعد النظام الدولي، من خلال قدرتها على التأثير في التجارة والتمويل والطاقة والتنمية والمؤسسات الدولية.
وفي هذه الحالة لن يكون العالم أمام «بريكس ضد الغرب»، وإنما أمام نظام عالمي متعدد المراكز.
وقد تكون أكبر مفارقة في بريكس أن اختلاف أعضائها يمكن أن يتحول من مصدر للضعف إلى مصدر للقوة.
فالصين والهند تتنافسان، وروسيا لها حساباتها، وإيران تواجه ظروفاً مختلفة، ودول الخليج تحافظ على علاقات واسعة مع الولايات المتحدة والغرب، والبرازيل لها رؤيتها ومصالحها الخاصة.
لكن إذا تمكنت هذه الدول من التعاون رغم اختلافاتها، فإنها تقدم نموذجاً مختلفاً للعلاقات الدولية: ليس المطلوب أن يصبح الجميع حلفاء، بل أن يتعاونوا عندما تتقاطع مصالحهم.
وهذا النموذج قد يكون أكثر ملاءمة للعالم الجديد من التحالفات الصلبة.
الهند.. أحد مفاتيح مستقبل بريكس
يبقى الموقف الهندي أحد أهم مفاتيح مستقبل بريكس.
فالهند لا تريد أن تتحول المجموعة إلى أداة للهيمنة الصينية، لكنها في الوقت نفسه لا تريد الانسحاب من إطار يمنحها نفوذاً في صياغة النظام الاقتصادي العالمي.
لذلك قد تدفع نيودلهي باتجاه بريكس أكثر براغماتية: تعاون اقتصادي، وتنسيق في المؤسسات الدولية، وتنويع مصادر التمويل والتجارة، مع الاحتفاظ بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا واليابان وغيرها.
وهذا يعني أن الهند قد تكون من أهم القوى التي تمنع بريكس من التحول إلى «كتلة ضد الغرب»، وفي الوقت نفسه تدفعها نحو أن تصبح مؤسسة أكثر استقلالاً.
اختبار نيودلهي
ربما يكون من الخطأ انتظار تحول بريكس إلى حلف عسكري أو كتلة سياسية مغلقة. الأرجح أن مستقبلها سيكون أكثر مرونة.
قد تصبح تدريجياً قطباً اقتصادياً وسياسياً غير متجانس، يضم دولاً متنافسة لكنها تجد مصلحة في التعاون.
وإذا نجحت في بناء مؤسسات فعالة في التجارة والتمويل والطاقة والغذاء والمدفوعات، فإن وزنها الدولي سيرتفع حتى من دون امتلاكها جيشاً مشتركاً أو سياسة خارجية موحدة.
وهنا تكمن أهمية التحولات الحالية.
فالأزمات الدولية لا تدفع بالضرورة بريكس إلى مواجهة الغرب، لكنها تمنحها حافزاً لبناء قدر أكبر من الاستقلال الاقتصادي.
ومستقبل بريكس لن يتحدد بعدد الدول التي تنضم إليها، ولا بعدد البيانات الصادرة عن قممها، وإنما بقدرتها على تحويل وزنها الاقتصادي والديموغرافي إلى مؤسسات وآليات قابلة للعمل.
إذا نجحت في ذلك، فقد تنتقل من مجرد تجمع اقتصادي للدول الصاعدة إلى أحد أقطاب النظام الدولي متعدد المراكز.
أما إذا بقيت أسيرة الخلافات بين أعضائها، فقد تظل إطاراً سياسياً واقتصادياً واسعاً من دون قدرة حقيقية على تغيير قواعد النظام العالمي.
والاختبار الأكبر ليس في قدرة بريكس على توحيد الصين والهند، أو روسيا والهند، أو إيران ودول الخليج، بل في قدرتها على إدارة هذه التناقضات نفسها وتحويلها إلى تعاون عملي.
فربما لا يكون مستقبل النظام العالمي في تحالفات تجمع الدول المتشابهة، وإنما في مؤسسات تستطيع أن تجمع دولاً متنافسة حول مصالح مشتركة.
وهنا تحديداً يمكن أن تجد بريكس مكانتها الدولية.
فالقوة المستقبلية للمجموعة قد لا تأتي من كونها تحالفاً موحداً، وإنما من قدرتها على أن تصبح منصة تتعاون داخلها دول لا تتفق في كل شيء، لكنها تتفق على أن النظام العالمي يجب أن يكون أكثر تعدداً في مراكزه وخياراته.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version