بدأت الاتحاد الأوروبي في تطبيق رسوم على انبعاثات الكربون على وارداته من الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الصلب والألومنيوم والإسمنت، اعتبارًا من الأول من يناير. ويهدف هذا الإجراء، المعروف باسم “آلية تعديل الكربون الحدودية” (CBAM) أو ضريبة الكربون الحدوديّة، إلى حماية المنتجين الأوروبيين الذين يواجهون التزامات بيئية أكثر صرامة مقارنة بنظرائهم الأجانب. ويأتي هذا في ظل سياسة عالمية متزايدة للتعامل مع تغير المناخ وتقليل البصمة الكربونية.

في حين أن الهدف المعلن هو ضمان منافسة عادلة، فإن ضريبة الكربون الحدوديّة قد تؤدي إلى احتكاكات تجارية ونزاعات مع دول خارج الاتحاد الأوروبي، مما يزيد من تعقيد التوترات التجارية العالمية التي بدأت منذ سنوات مع سياسات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. وقد مارست الولايات المتحدة ضغوطًا على الاتحاد الأوروبي لسحب القانون، معربة عن مخاوفها من إنشاء حواجز تجارية كبيرة بينهما.

ما هي آلية تعديل الكربون الحدودية (CBAM)؟

بدأ تطبيق المرحلة الانتقالية لآلية تعديل الكربون الحدودية (CBAM) عام 2023، حيث طُلب من الشركات في القطاعات المعنية الإبلاغ عن انبعاثات الكربون الخاصة بها. تهدف هذه المرحلة إلى جمع البيانات واختبار المنهجيات المستخدمة في حساب الانبعاثات المضمنة في البضائع المستوردة.

اعتبارًا من عام 2026، سيضطر مستوردو الاتحاد الأوروبي إلى شراء وتسليم شهادات CBAM مقابل انبعاثات الكربون المضمنة في وارداتهم. سيتم تحديد سعر هذه الشهادات بناءً على أسعار سوق الكربون في الاتحاد الأوروبي، والتي تتراوح حاليًا بين 70 و 100 يورو للطن الواحد من ثاني أكسيد الكربون، وفقًا لتقديرات.

الدول التي لديها بالفعل أسواق للكربون قيد التشغيل ستكون قادرة على خصم ضرائب الكربون المحلية من التزاماتها بموجب CBAM. ويُعتبر هذا بمثابة اعتراف بالجهود التي تبذلها هذه الدول في الحد من انبعاثاتها.

تأثيرات محتملة على التجارة والاقتصاد

تعتبر الصناعات الثقيلة مثل الصلب والألومنيوم من أكبر مصادر انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في قطاع الطاقة، حيث تمثل ما يصل إلى 15٪ من إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المرتبطة بالطاقة في الاتحاد الأوروبي، وفقًا لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ.

يرى جان-مارك جيرمان، الرئيس التنفيذي لشركة Constellium، وهي شركة تمثل صناعة الألومنيوم، أن آلية CBAM قد تؤدي إلى زيادة تكاليف الألومنيوم الأوروبي. ويتفق العديد من المراقبين معه في أن هذه الآلية قد تضعف القدرة التنافسية للشركات الأوروبية.

ينتقد بعض الخبراء عملية CBAM باعتبارها معقدة وتفرض أعباء كبيرة على الشركات. كما يثيرون تساؤلات حول دقة قياس الانبعاثات المضمنة في البضائع المستوردة.

وصرح خيمي أمويدو، المدير التنفيذي والمؤسس المشارك لمعهد ESG، بأنه من المرجح أن يشهد مستوردو الصلب والإسمنت والألومنيوم والأسمدة في الاتحاد الأوروبي زيادات كبيرة في التكاليف المادية، خاصةً إذا كانت بيانات الانبعاثات غير كاملة أو تعتمد على قيم افتراضية.

على الرغم من أن المصدرين ليسوا ملزمين قانونًا بموجب قانون الاتحاد الأوروبي، إلا أن الآثار المترتبة عليهم كبيرة. فعدم القدرة على تقديم معلومات موثوقة وقابلة للتحقق بشأن الانبعاثات قد يؤدي إلى استخدام قيم افتراضية أعلى، وبالتالي زيادة تكاليف الشهادات.

إيرادات ضريبة الكربون لدعم الصناعات الأوروبية

يهدف الاتحاد الأوروبي إلى إرسال إشارة عالمية إلى الدول الأخرى، تشجعها على تبني تسعير الكربون واعتماد أساليب إنتاج أنظف. ويأمل الاتحاد الأوروبي في أن يؤدي هذا الإجراء إلى تسريع الجهود العالمية للحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

ويصر الاتحاد الأوروبي على أن القانون الجديد سيمنع انتقال الصناعات إلى بلدان ذات متطلبات استدامة أقل صرامة، وهو ما يعرف بـ “تسرب الكربون”. وهذا يعني أن الهدف هو الحفاظ على الوظائف والاستثمارات داخل الاتحاد الأوروبي.

ومع ذلك، من المتوقع أن تزيد ضريبة الكربون من تكاليف الإنتاج، وقد ضغطت الصناعات الأوروبية على المفوضية الأوروبية للمساعدة في تخفيف هذه الخسائر. وقد اقترحت المفوضية الأوروبية مؤخرًا إنشاء صندوق مؤقت مدعوم من إيرادات CBAM لمساعدة الصناعات في التكيف مع هذه التغييرات.

تشير التقديرات إلى أنه من المتوقع جمع حوالي 1.5 مليار يورو من إيرادات CBAM بحلول عام 2028. ويرى خبراء مثل إد كولينز، المدير العام في InfluenceMap، أن هذا الصندوق هو نتيجة “ضغط مكثف من الجهات الفاعلة الصناعية القائمة” التي دعت إلى تعويض تكاليف الكربون للبضائع المصدرة.

وأضاف كولينز أن إنشاء الصندوق “يظهر جزئيًا قبول هذا الطلب من خلال التأكد من أن الشركات لن تضطر إلى دفع التكلفة الكاملة للانبعاثات الكربونية التي تنتجها”.

يظل مستقبل ضريبة الكربون الحدوديّة غير مؤكد، ولكن من المتوقع أن تستمر المفاوضات مع الدول المتضررة. سيراقب المراقبون عن كثب ردود فعل الدول الأخرى، وتحديدًا الصين والهند وروسيا وجنوب إفريقيا، التي أعربت بالفعل عن معارضتها. كما أن رد فعل مصر، التي قدمت طلبًا للإعفاء، سيكون مهمًا. من المرجح أن يشهد الأشهر القادمة المزيد من التطورات والإعلانات بشأن هذه المبادرة الطموحة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version