أثار تصريح لوزير المالية اليوناني السابق، يانيس فاروفاكيس، جدلاً واسعاً حول مستقبل الاتحاد الأوروبي، حيث انتقد رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين واصفاً إياها بـ “إطلاق العبارات الفارغة”. وحذر فاروفاكيس من أن أوروبا تواجه خيارين حاسمين: التكامل الفيدرالي الكامل أو تفكك منطقة اليورو، مؤكداً أن التردد في اتخاذ قرار حاسم يهدد بتقويض الاستقرار الاقتصادي والسياسي للقارة. هذا النقاش يأتي في ظل تصاعد الخلافات حول إصدار سندات يورو مشتركة.
جاءت تصريحات فاروفاكيس خلال مقابلة مع برنامج “Europe Today” على قناة Euronews، بالتزامن مع قمة غير رسمية لقادة الاتحاد الأوروبي في بلجيكا، حيث تتصدر قضية المنافسة الاقتصادية وجدوى إصدار سندات يورو مشتركة جدول الأعمال. وتتوقع القمة مناقشات حادة بين الدول الأعضاء حول هذه القضية، خاصةً بين فرنسا وألمانيا وإيطاليا من جهة، ودول شمال أوروبا ودول البلطيق من جهة أخرى.
مستقبل اليورو: بين الفيدرالية والتفكك
يرى فاروفاكيس أن المشكلة الأساسية في أوروبا تكمن في وجود اتحاد نقدي يفتقر إلى هياكل مالية واستثمارية متكاملة، مما أدى إلى نقص الاستثمارات في القارة على مدى العقدين الماضيين. وأشار إلى أن وجود بنك مركزي قوي دون وجود سلطة مالية مركزية قادرة على تنسيق السياسات المالية للدول الأعضاء يخلق حالة من عدم التوازن.
وأضاف أن القادة الأوروبيين يتجنبون مناقشة القضية الجوهرية المتعلقة بسندات اليورو، وهي تحديد الجهة التي ستصدر هذه الديون. ويرى أن هذا التردد يعكس انعدام الرؤية الاستراتيجية وعدم القدرة على اتخاذ قرارات جريئة.
الخلاف حول سندات اليورو
تصاعدت حدة النقاش حول سندات اليورو في الآونة الأخيرة، حيث دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى إصدار “سندات يورو مستقبلية” لتمويل المشاريع الاستراتيجية، مشيراً إلى أن الأسواق العالمية تبحث عن بدائل للدولار الأمريكي.
في المقابل، من المتوقع أن يقدم المستشار الألماني فريدريش ميرز ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني رؤية اقتصادية مشتركة تركز على تخفيف القيود التنظيمية. بينما تعارض هولندا ودول الشمال ودول البلطيق أي تفضيلات لمنتجات “صنع في أوروبا” تعتبرها نوعاً من الحمائية التجارية.
شارك في المناقشات أيضاً رئيس الوزراء الإيطالي السابق ماريو دراجي وإنريكو ليتا، لتقديم وجهات نظرهم حول تعزيز القدرة التنافسية لأوروبا.
تأثيرات على الاقتصاد الأوروبي
يعتبر إصدار سندات يورو مشتركة قضية حساسة للغاية، حيث يرى البعض أنها خطوة ضرورية لتعزيز التكامل المالي وتحقيق الاستقرار الاقتصادي في منطقة اليورو. بينما يخشى آخرون من أنها قد تؤدي إلى تقاسم الديون بين الدول الأعضاء وتضعف المساءلة المالية.
ويرى خبراء اقتصاديون أن عدم اتخاذ قرار حاسم بشأن مستقبل اليورو قد يؤدي إلى تفاقم المشاكل الاقتصادية في أوروبا، وزيادة خطر حدوث أزمات مالية مستقبلية. كما أن استمرار حالة عدم اليقين قد يؤثر سلباً على الاستثمارات والنمو الاقتصادي.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الخلافات حول سندات اليورو تعكس انقسامات أعمق داخل الاتحاد الأوروبي حول الرؤية المستقبلية للقارة. فبينما تدعو بعض الدول إلى المزيد من التكامل الفيدرالي، تفضل دول أخرى الحفاظ على سيادتها الوطنية.
هذه الانقسامات تعيق قدرة الاتحاد الأوروبي على مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية المتزايدة، مثل التنافس مع الصين والولايات المتحدة، وتداعيات الحرب في أوكرانيا، وتغير المناخ.
من ناحية أخرى، يرى البعض أن التركيز على إصدار سندات اليورو قد يصرف الانتباه عن القضايا الأكثر أهمية، مثل الحاجة إلى إصلاحات هيكلية في الاقتصادات الأوروبية، وتعزيز الابتكار والتكنولوجيا، وتحسين التعليم والتدريب.
الخطوات القادمة والمستقبل المحتمل
تهدف القمة غير الرسمية إلى بلورة مقترحات سيتم عرضها على قادة الاتحاد الأوروبي في اجتماع رسمي في نهاية شهر مارس. ومن المتوقع أن تكون المناقشات خلال الاجتماع الرسمي أكثر تفصيلاً وتشمل جوانب فنية وقانونية.
ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان قادة الاتحاد الأوروبي سيتمكنون من التوصل إلى اتفاق بشأن إصدار سندات يورو مشتركة. فالخلافات بين الدول الأعضاء عميقة الجذور، ولا يبدو أن هناك أي استعداد لتقديم تنازلات كبيرة.
ما يجب مراقبته في الفترة القادمة هو تطورات المفاوضات بين الدول الأعضاء، وردود الفعل على مقترحات الرئيس ماكرون، وموقف ألمانيا وإيطاليا من قضية سندات اليورو. كما يجب متابعة المؤشرات الاقتصادية في منطقة اليورو، مثل معدلات النمو والتضخم والبطالة، لتقييم تأثير هذه الخلافات على الاقتصاد الأوروبي.

