يثير المسلسل الوثائقي الروائي “يا غايب” جدلاً واسعاً في لبنان والعالم العربي، حيث يتناول قصة الفنان فضل شاكر، الذي يخضع حالياً للمحاكمة بعد سنوات من الاختفاء. المسلسل، المعروض على منصة شاهد، يطرح تساؤلات حول العلاقة بين الفن والسياسة، والحقيقة والتمثيل، ويستكشف دوافع شاكر وأفعاله المثيرة للجدل، بما في ذلك تصريحاته العلنية وانخراطه في صراعات مسلحة. فهل يمكن أن يعطي المرء قناعاً ليخبرنا بالحقيقة، كما تشير مقولة شهيرة يقتبسها المسلسل؟
يعرض المسلسل قصة شاكر منذ طفولته وحتى الوقت الحاضر، مستخدماً مزيجاً من التمثيل والوثائقية. يروي شاكر حكايته من خلال مقابلات مع صحفية (تلعب دورها الممثلة ستيفاني عطا الله)، وتُعاد تصوير بعض الأحداث من خلال ممثلين آخرين، مما يخلق بنية معقدة تجمع بين الواقع والخيال. هذا الأسلوب الفني المبتكر يهدف إلى استكشاف دوافع شاكر وتبرير أفعاله، مع تجنب التسييس المفرط أو إضفاء الطابع الإنساني على قضايا سياسية معقدة.
لعبة الأقنعة وفضل شاكر
يكرر فضل شاكر في المسلسل تأكيده على براءته من التهم الموجهة إليه، بما في ذلك الانضمام إلى جماعة إرهابية والتحريض على العنف. يزعم شاكر أن تصريحاته النارية، التي أطلقها في مهرجان موازين بالمغرب عام 2013، كانت مدفوعة بمشاهد المذابح التي ارتكبها النظام السوري ضد المدنيين، وأنها لم تكن تحريضاً على العنف بل تعبيراً عن الغضب الإنساني. ويرى أن هذه التصريحات قد فُهمت بشكل خاطئ واستُغلت سياسياً.
يعرض المسلسل حياة شاكر المضطربة، بدءاً من طفولته الصعبة في مخيم عين الحلوة، مروراً بصعوده إلى الشهرة كفنان، وصولاً إلى انخراطه في الصراعات السياسية والطائفية. يُظهر المسلسل كيف أن المعاناة والظلم اللذين تعرض لهما شاكر في طفولته قد ساهمت في تشكيل شخصيته المندفعة والعصبية، وكيف أن هذه الصفات قد دفعته إلى اتخاذ قرارات متسرعة أدت إلى تدهور حياته.
التصريحات النارية وتداعياتها
أثارت تصريحات شاكر في موازين ردود فعل غاضبة ومنددة في الأوساط السياسية والدينية، واتهمته العديد من الأطراف بالتحريض على العنف والتطرف. أدت هذه التصريحات إلى تدهور علاقاته مع العديد من الفنانين والسياسيين، وفقدانه الكثير من جمهوره. كما أدت إلى اتهامه بالانخراط في معركة عبرا عام 2013، وهي معركة مسلحة دارت بين الجيش اللبناني وجماعة الشيخ أحمد الأسير.
يؤكد شاكر في المسلسل أنه لم يشارك في معركة عبرا، وأنه لم يحمل السلاح أو يقتل أحداً. ويزعم أنه كان ضحية مؤامرة سياسية تهدف إلى تشويه سمعته وتدمير حياته. لكن هذه الادعاءات لا تزال قيد التحقيق في المحكمة اللبنانية.
التحقيق والمحاكمة
بعد أكثر من 11 عاماً من الاختفاء، سلّم فضل شاكر نفسه إلى مخابرات الجيش اللبناني في عام 2024. ويواجه شاكر أربع تهم رئيسية: الانضمام إلى جماعة إرهابية، والتحريض على العنف، وارتكاب جرائم قتل، والتعاون مع جهات معادية للدولة اللبنانية. تجري حالياً التحقيقات في هذه التهم، ومن المتوقع أن تبدأ المحاكمة في الأشهر القادمة.
تعتبر قضية فضل شاكر من القضايا المعقدة والحساسة في لبنان، حيث تتداخل فيها قضايا سياسية وطائفية ودينية. تثير القضية تساؤلات حول حرية التعبير، والمسؤولية عن التحريض على العنف، ودور الفن في الصراعات السياسية. كما تثير تساؤلات حول مصير الفنانين الذين ينخرطون في السياسة، وعواقب تصريحاتهم وأفعالهم.
التحديات القانونية والسياسية
تواجه المحاكمة تحديات قانونية وسياسية كبيرة. من بين هذه التحديات صعوبة الحصول على أدلة قاطعة تثبت تورط شاكر في الجرائم الموجهة إليه، والضغوط السياسية التي تمارس على القضاء. كما أن القضية تثير انقسامات طائفية في لبنان، مما قد يؤثر على سير المحاكمة ونزاهتها.
بالإضافة إلى ذلك، فإن المسلسل الوثائقي الروائي “يا غايب” قد يزيد من تعقيد القضية، حيث أنه يقدم رواية غير موضوعية عن حياة شاكر وأفعاله. قد يؤثر المسلسل على الرأي العام، ويصعب على القضاء إصدار حكم عادل ومستقل.
من المتوقع أن تستمر التحقيقات في قضية فضل شاكر لعدة أشهر، وأن تبدأ المحاكمة في أوائل عام 2025. سيكون من المهم متابعة تطورات القضية عن كثب، وتقييم الأدلة المقدمة من قبل النيابة العامة والدفاع. كما سيكون من المهم مراقبة ردود الفعل السياسية والشعبية على سير المحاكمة، وتأثيرها على الاستقرار السياسي في لبنان. يبقى مصير فضل شاكر مجهولاً، ويتوقف على نتائج التحقيقات والمحاكمة.

