يشير عنوان فيلم “نورمبرج” إلى مدينة نورمبرج الألمانية، مسرح المحاكمات التاريخية التي عقدت في أعقاب الحرب العالمية الثانية لمحاكمة قادة النظام النازي. الفيلم، الذي ينتمي إلى نوعية أفلام الدراما الحربية، يقدم منظوراً جديداً لهذه الأحداث، بعيداً عن التناول السينمائي التقليدي، ويركز على الجوانب النفسية للمحاكمة والشخصيات الرئيسية المشاركة فيها.

الفيلم لا يسعى إلى إعادة إنتاج فيلم “Judgment at Nuremberg” الكلاسيكي، بل يقدم تحليلاً نفسياً للعلاقة بين الطبيب النفسي الأمريكي دوجلاس كيلي (رامي مالك) وهيرمان جورينج (راسل كرو)، أحد أبرز قادة النازية. يهدف الفيلم، في سياق عالمي يشهد إبادات جماعية مستمرة، إلى إبراز فظاعة المحرقة كأحد أسوأ الفظائع في التاريخ، مع طرح تساؤلات حول طبيعة الشر والمسؤولية.

محاكمة نورمبرج: ما وراء الجريمة

بعيداً عن سرد الأحداث التاريخية المعروفة، يركز الفيلم على الجوانب النفسية للمحاكمة. يصور الفيلم كيف أن جرائم الحرب تركت أثراً عميقاً على الشخصيات المتورطة، وكيف أن المحاكمة كانت بمثابة مواجهة داخلية بقدر ما كانت مواجهة قانونية. الفيلم يستكشف العلاقة المعقدة بين الطبيب النفسي والسجين النازي، وكيف أن هذه العلاقة كشفت عن جوانب خفية من شخصياتهما.

يبدأ الفيلم بجهود القاضي روبرت جاكسون (مايكل شانون) لإجراء محاكمة علنية للنازيين، وهو ما فتح الباب أمام استكشاف دوافعهم وأفكارهم. يكتشف الطبيب كيلي أن جورينج يتقن اللغة الإنجليزية ويتعمد إخفاء ذلك، مما يشير إلى وجود لعبة نفسية بينهما. تتطور العلاقة بينهما من خلال زيارات متكررة للزنزانة، وأحاديث جانبية، وألعاب ورقية، مما يخلق منطقة رمادية بين التحقيق والعلاج النفسي.

لعبة العقل والسلطة

يتعمق الفيلم في العلاقة بين كيلي وجورينج، مستنداً إلى كتاب “النازي والطبيب النفسي” لجاك الحاي. تتحول المواجهة بينهما إلى صراع على السلطة، حيث يحاول كل منهما استغلال الآخر. جورينج، بذكائه ودهائه، يحاول التأثير على كيلي وإقناعه بأن المحرقة ليست المأساة الوحيدة في التاريخ، وأن هناك جرائم أخرى ارتكبتها قوى أخرى.

يستثمر السيناريو هذه الوظيفة لخلق منطقة رمادية، من خلال تطعيم الأدوات النفسية. لم تظهر مشاهدهما تحقيقاً رسمياً ولا علاجاً نفسياً، بل تحولت الزنزانة إلى ساحة مفاوضات للسيطرة النفسية. جورينج يعيد توجيه النقاش ويستدرج الطبيب إلى تبني افتراضات أخلاقية لم تُختبر بعد. هذا التلاعب النفسي يثير تساؤلات حول هشاشة الاعتقاد بأن المعرفة العلمية وحدها تمنح حصانة أمام الخطاب السلطوي.

فخ العاطفة والشكوك

تتطور العلاقة بين كيلي وجورينج عندما يتولى الطبيب تسليم الرسائل إلى زوجة جورينج وابنته. يتواطأ كيلي لأجل هذا الهدف النبيل، لكنه يبدأ في الشك في حقيقة سادية جورينج ومحاولته إثبات العكس. هذا التناقض يخلق صراعاً داخلياً لدى كيلي، ويجعله يتساءل عن دوافع جورينج الحقيقية.

في مشهد مؤثر، ينتحر معتقل نازي آخر في زنزانته، مما يثير خوف كيلي على جورينج. يفقد كيلي القدرة على أداء واجبه العملي، ويشعر بالإحباط عندما يتم إرسال طبيب آخر لمشاركته المهمة. في لحظة شرود، يسأل كيلي جورينج عن رأيه في الانتحار، مما يفتح نافذة على هشاشة الطبيب النفسي.

المواجهة الحاسمة

تصل المواجهة بين كيلي وجورينج إلى ذروتها خلال عرض المواد المصورة عن العنف المنظم في معسكرات الإبادة الجماعية. تتسبب هذه الصور في كسر الثقة بينهما، وتكشف عن عمق الشر الذي ارتكبه النظام النازي. جورينج يحاول الدفاع عن نفسه من خلال المقارنة بالقصف النووي الأمريكي على اليابان، لكن كيلي يرفض هذا التبرير.

في النهاية، يدرك كيلي أنه كان جزءاً من حبكة أكبر، وأن معرفته مشروطة بقبول جورينج للعب الدور. الفيلم يختتم برسالة تحذيرية من الاعتقاد بأن الشر استثناء، وأن القدرة على إعادة إنتاج العنف موجودة في كل مجتمع. الفيلم يطرح تساؤلات حول طبيعة الشر والمسؤولية، ويترك المشاهد يتأمل في هذه القضايا المعقدة.

من المتوقع أن يثير فيلم “نورمبرج” نقاشاً واسعاً حول المحرقة والجرائم الحربية، وأن يساهم في تعزيز الوعي بأهمية مكافحة العنصرية والتعصب. لا يزال من غير الواضح كيف سيتم استقبال الفيلم من قبل النقاد والجمهور، لكنه من المؤكد أنه سيظل موضوعاً للجدل والنقاش لفترة طويلة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version