أعلنت منظمة الصحة العالمية، يوم الجمعة، عن إطلاق أول إرشادات عالمية شاملة حول العقم، مؤكدةً أنه يُمثل تحديًا صحيًا عامًا كبيرًا ولكنه غالبًا ما يتم تجاهله. وتدعو المنظمة إلى توفير علاج فعال وميسور التكلفة للعقم كجزء من خدمات الرعاية الصحية الأساسية، مع التركيز على المساواة في الوصول إلى هذه الخدمات على مستوى العالم.
وتشير تقديرات المنظمة إلى أن أكثر من 16% من سكان العالم في سن الإنجاب – أي ما يزيد عن شخص واحد من كل ستة – يواجهون مشكلات تتعلق بالخصوبة في مرحلة ما من حياتهم. ومع ذلك، يظل الحصول على رعاية صحية متخصصة في هذا المجال محدودًا للغاية، ويختلف بشكل كبير بين البلدان والمناطق المختلفة.
انتشار مشكلة العقم وأسباب تجاهلها
لطالما اعتبر العقم قضية شخصية وخاصة، مما أدى إلى نقص في الاستثمارات والاهتمام السياسي. بالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما تكون هناك وصمة عار اجتماعية مرتبطة به، خاصة في بعض الثقافات، مما يمنع الأفراد والأزواج من طلب المساعدة. وفقًا للمنظمة، فإن هذه العوامل تساهم في تجاهل هذه المشكلة كأحد التحديات الرئيسية للصحة العامة.
تختلف أسباب العقم بين الذكور والإناث، وتشمل عوامل وراثية وهرمونية وسلوكية وبيئية. ومع ذلك، يمكن في كثير من الحالات تحديد السبب وتقديم العلاج المناسب. تشمل خيارات العلاج تقنيات المساعدة على الإنجاب (ART) مثل التلقيح الاصطناعي (IVF)، بالإضافة إلى تغييرات في نمط الحياة والأدوية.
تكلفة العلاج كعائق رئيسي
تمثل التكلفة الباهظة لعلاج العقم عائقًا كبيرًا أمام العديد من الأفراد والأزواج. في بعض البلدان، قد تصل تكلفة دورة واحدة من التلقيح الصناعي إلى ضعف متوسط الدخل السنوي للأسرة، مما يجعل العلاج غير متاح للعديد من المحتاجين. وهذا يخلق فجوة في المساواة الصحية، حيث يمكن للأشخاص ذوي الدخل المرتفع فقط تحمل تكاليف العلاج.
وقال الدكتور تيدروس أدهانوم جيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، إن “العقم يمثل أحد أكثر تحديات الصحة العامة التي تتعرض للتجاهل في عصرنا، ويمثل قضية رئيسية في ما يتعلق بالمساواة على مستوى العالم”. وأضاف أن ملايين الأفراد يواجهون هذه الحالة بمفردهم، وغالبًا ما يضطرون إلى الاختيار الصعب بين تحقيق حلم الإنجاب والأمن المالي.
إرشادات منظمة الصحة العالمية لتحسين رعاية الخصوبة
تتضمن الإرشادات الجديدة الصادرة عن المنظمة 40 توصية للدول بهدف جعل رعاية الخصوبة أكثر أمانًا وإنصافًا وبأسعار معقولة. وتركز هذه التوصيات على مجموعة واسعة من الجوانب، بدءًا من الوقاية من العقم وعلاجه، وصولًا إلى تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأفراد والأزواج المتضررين. تتضمن الإرشادات أيضًا توصيات بشأن تنظيم خدمات الخصوبة وضمان جودتها.
تشدد الإرشادات على أن رعاية العقم لا تقتصر على تقنيات الإنجاب المساعدة باهظة الثمن. بل تشمل أيضًا إجراءات رعاية صحية أولية يمكن أن تساعد الأزواج على الإنجاب، مثل تقديم المشورة بشأن تغيير نمط الحياة، مثل الإقلاع عن التدخين، وفحص وعلاج الأمراض المنقولة جنسيًا، وتوفير الوصول إلى خدمات تنظيم الأسرة. يُعد صحة الإنجاب جزءًا هامًا من الصحة العامة، وتشمل هذه الإرشادات أيضًا جوانب من ذلك.
بالإضافة إلى هذه الخطوات، تؤكد المنظمة على أهمية زيادة الوعي بالعوامل التي تؤثر على الخصوبة، مثل العمر، وتقديم الدعم للأفراد الذين يواجهون الوصمة الاجتماعية والضغوط المرتبطة بالعلاج. يعد بناء مجتمع داعم أمرًا بالغ الأهمية للأفراد الذين يعانون من مشاكل الحمل.
تتضمن الإرشادات أيضًا توصيات حول استخدام التكنولوجيا لتحسين الوصول إلى رعاية الخصوبة، مثل تقديم الاستشارات عبر الإنترنت وتطوير تطبيقات الهاتف المحمول لمساعدة الأفراد على مراقبة خصوبتهم. يمكن أن تلعب التكنولوجيا دورًا مهمًا في سد الفجوة في الرعاية الصحية ومساعدة المزيد من الأفراد على تحقيق حلم الإنجاب.
من المتوقع أن تبدأ الدول في دمج هذه الإرشادات في سياساتها وبرامجها الوطنية في الأشهر والسنوات القادمة. ومع ذلك، فإن التنفيذ الفعال سيتطلب التزامًا سياسيًا قويًا واستثمارات كبيرة في البنية التحتية للرعاية الصحية وتدريب العاملين. مدى نجاح هذه المبادرة سيعتمد بشكل كبير على الاستجابة الوطنية لهذه الإرشادات وتخصيص الموارد اللازمة.

