ضربت مقذوفات سفينة الشحن التايلاندية مايرِي ناري في 11 مارس أثناء عبورها مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية العالمية بين إيران وعمان. اندلع حريق في غرفة المحرك وتم إنقاذ 20 بحاراً بينما بقي ثلاثة محاصرون داخل السفينة وعُثر على رفاتهم لاحقاً بعد أن جنحت السفينة قرب جزيرة قشم الإيرانية، وفق تحقيق استقصائي لهيئة الجزيرة.

حدثت الوقائع في ذروة تصاعد التوترات بعد إعلان إيران إمكانية إغلاق الممر للمنافذ “العدو”، وتلاها إعلان حصار بحري أمريكي كامل على الموانئ الإيرانية في 13 أبريل، لكن تتبع السفن يظهر واقعاً مختلفاً شهد مرور مئات السفن رغم الخطر والقيود.

مضيق هرمز: أرقام تحقيقية تكشف شبكة عبور موازية

رصد تحقيق الجزيرة 202 رحلة نفذتها 185 سفينة عبر المضيق بين 1 مارس و15 أبريل، مستخدماً أرقام المنظمة البحرية الدولية وقوائم عقوبات OFAC والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة والأمم المتحدة. ومع ذلك، أظهرت البيانات أن 77 رحلة (38.5 بالمئة) كانت مرتبطة مباشرة أو غير مباشرة بإيران، وأن 61 سفينة كانت مذكورة على قوائم عقوبات دولية.

انقسمت الفترة إلى ثلاث مراحل: حرب مفتوحة، هدوء هش، وحصار أمريكي صريح؛ وكان عدد السفن العابرة 126 ثم 49 ثم 25 على التوالي، مما يشير إلى قدرة بعض الناقلات على المناورة عبر خطوط الحصار والتهديدات المسلحة.

تكتيكات أسطول الظل للتملص من القيود

عمل “أسطول الظل” على تجاوز العقوبات والقيود عبر مزيج من التكتيكات: تغيير الأعلام، تعطيل نظم تحديد الهوية الآلية (AIS)، والتسجيل عبر شركات قشرية. وأوضح التحقيق أن 16 سفينة عملت تحت أعلام مزيفة، بينها سجلات من دول حبيسة.

على سبيل المثال، أُبلغ عن سفن مثل Flora وGenoa وSkywave بإطفاء إشاراتها عمداً، بينما عبرت ناقلات أصغر بلا أرقام IMO مثل السفينة المسماة “13448” الحصار إلى باكستان، وفق تتبع الإشارات وبيانات الموانئ.

الشركات والملاك

تبيّن أن مديري العمليات يقيمون في بلدان عدة، مع تمركز ملحوظ في إيران (حوالي 15.7 بالمئة)، الصين (13 بالمئة)، اليونان (أكثر من 11 بالمئة) والإمارات (9.7 بالمئة)، فيما بقيت هوية المشغلين لحوالي 19 بالمئة من السفن غير محددة، بحسب تحليل بيانات السجلات البحرية.

عواقب اقتصادية وبشرية للحركة الموازية

على الرغم من المخاطر، استمر عبور ناقلات الطاقة بكثافة؛ حيث حمل التحقيق أن 68 سفينة (36.2 بالمئة) كانت تنقل نفطاً أو منتجات بترولية أو غازاً، ومن بينها عشر ناقلات مرتبطة بإيران. وفي المقابل، استمرت بضائع عامة وسفن البضائع السائبة في العبور، ما يوضح أن التجارة غير النفطية لم تتوقف تماماً.

تأثر الطاقم البحري بشكل كبير؛ فقد قدرت المنظمة البحرية الدولية وجود نحو 20 ألف بحار عالقين على حوالي 2 آلاف سفينة في الخليج، وهو وصف تبعته المنظمة بأنه أزمة غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية.

كيف يكسر الظل الحصار البحري

تكشف الأدلة عن استخدام مرن للطرق الساحلية، سفن بلا أرقام IMO، وتغيير المسارات لتجاوز نقاط التفتيش والحواجز البحرية. وفي بعض الحالات، عبرت سفينة مسجّلة في بنما أو تحت أعلام أخرى الحصار ثم عادت لدخول المضيق متجهة إلى موانئ جنوب آسيا.

ومع ذلك، لا توضح البيانات دائماً هوية المشتري النهائي للبضائع أو الوقود، ما يجعل تعقب الإمدادات ومحاسبة الأطراف المستفيدة أمراً معقداً بحسب خبراء رقميين استطلعتهم الجزيرة.

الأمن الدولي والضغط الدبلوماسي

أثار استمرار الحركة عبر مضيق هرمز رغم إعلان الحصار الأميركي أسئلة حول فعالية عقوبات وتدابير فرض السيطرة البحرية من دون تعاون أوسع بين الجهات الدولية المعنية. وقد أشارت تقارير إلى أن سنوات من العقوبات المفروضة على إيران منذ 1979 ساهمت في تطوير منظومات بديلة للتجارة البحرية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن استخدام أعلام مزيفة وشركات وهمية يفتح ثغرات قانونية ويدفع دولاً مطلة على المضيق والجهات الدولية إلى مراجعة آليات التتبع والإنفاذ، وفق محللين في مجال الأمن البحري.

ماذا بعد: سيناريوهات ومؤشرات للمتابعة

من المتوقع أن تركز الدول والمنظمات الدولية خلال الأسابيع المقبلة على تعزيز قدرات التعرف على هوية السفن وتنسيق بيانات العقوبات، بينما تظل فعالية هذه الإجراءات مرتبطة بإمكانية تعقب الشحنات خلف سلاسل شركات قشرية وأعلام مزيفة.

ومع استمرار حالة اللايقين، يبقى ما يجب مراقبته هو شدة وموثوقية تدابير إنفاذ الحصار، وتحركات الأساطيل غير المسجلة، وإجراءات المنظمة البحرية الدولية والحكومات المعنية قبل نهاية الربيع، إذ يمكن لأي قرار دولي أو تطور عسكري أن يغير من ديناميكيات المرور في مضيق هرمز.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version