مَلاَم فَتُوري، نيجيريا – بعد مرور أكثر من عشر سنوات على فقدان عيسى آجي محمد أربعة من أطفاله في ليلة واحدة خلال هجوم نفذه مقاتلو بوكو حرام على منزلهم في ولاية بورنو بشمال شرق نيجيريا، يعود آلاف النازحين إلى ديارهم في ظل برنامج إعادة توطين حكومي. ومع ذلك، فإن العودة إلى مَلاَم فَتُوري ليست مجرد استعادة للممتلكات، بل هي مواجهة لتحديات أمنية واقتصادية معقدة تعيق التعافي الكامل.

تُعد مريم، التي كانت تبلغ من العمر 15 عامًا آنذاك، من بين الضحايا، إلى جانب أشقائها محمد، 22 عامًا، وزبيرو، 10 سنوات. كما قُتلت يادوما، 25 عامًا ومتزوجة ولديها أطفال، والتي عادت لزيارة والديها في ذلك الوقت. هذه القصص المأساوية تعكس حجم المعاناة التي خلفها الصراع المستمر في المنطقة.

العودة إلى مَلاَم فَتُوري: بين التحديات والأمل

يقول عيسى، البالغ من العمر 65 عامًا، وهو يقف على أرض مزرعته القاحلة في قرية مَلاَم فَتُوري، “هربنا بلا شيء. لأكثر من عشر سنوات، نمنا في منازل الأقارب. شعرت بأنني غريب في بلدي.” قبل الهجوم المروع، كان عيسى، وهو مزارع، ينتج مئات الأكياس من الأرز والذرة والفول سنويًا، وهو ما يكفي لإعالة أسرته وبيع المحاصيل في أسواق النيجر المجاورة.

بعد تلك الليلة، اضطر إلى الفرار وقضاء عقد من الزمن في مخيمات للنازحين عبر الحدود. لكن العام الماضي، انضم إلى الآلاف من السكان السابقين الذين عادوا إلى مَلاَم فَتُوري ومدن أخرى كجزء من برنامج إعادة التوطين الذي أطلقته الحكومة. القرية تقع على حافة الجبهة الشمالية الشرقية لنيجيريا، بالقرب من الحدود مع النيجر، حيث تمتد المناظر الطبيعية الواسعة والمستوية إلى الأراضي الزراعية والأراضي الرطبة الموسمية.

قبل عقد من الزمن، كانت المنازل في مَلاَم فَتُوري سليمة ومأهولة، وكانت ساحاتها تتردد أصداء أصوات الأطفال وإيقاع الحياة اليومية المنتظم. وامتدت المزارع إلى ما وراء ضواحي المدينة، منتجة الحبوب والخضروات التي تدعم الأسر والتجارة المحلية. وكانت قنوات الري تتدفق بانتظام، وكانت المنطقة معروفة بإنتاجيتها، خاصة خلال الموسم الجاف. وكانت الأسواق نشطة، وكان التنقل بين مَلاَم فَتُوري والمجتمعات المجاورة أمرًا طبيعيًا، لا يحدّه الخوف.

آثار الحرب المدمرة

اليوم، تحمل المدينة ندوبًا واضحة للصراع والإهمال، حيث يقع جزء كبير منها في حالة خراب. تقف صفوف من المنازل المبنية بالطوب اللبن بلا أسقف أو متداعية جزئيًا، وجدرانها متشققة بسبب سنوات الهجر. وقد تم إصلاح بعض المنازل على عجل باستخدام الخشب والخردة والألواح المعدنية، وهي علامات على عودة الأسر وإعادة البناء بكل ما تجده من مواد.

بدأت المزارع المحيطة بمَلاَم فَتُوري تظهر علامات حياة خافتة. يتم تنظيف مساحات صغيرة من الدخن والذرة باليد، بينما يتم إعادة فتح قنوات الري – التي كانت مسدودة في السابق بالرمل والأعشاب الضارة – تدريجيًا. ومع ذلك، لا تزال العديد من الحقول فارغة، وقد استولت عليها الشجيرات الشائكة والعشب الجاف بعد سنوات من عدم الزراعة. يتحرك المزارعون بحذر، ويعملون بالقرب من المدينة، ويخشون المغامرة بعيدًا في الأراضي التي كانت خصبة في السابق ولكنها ظلت غير آمنة لفترة طويلة.

التحديات الأمنية والاقتصادية

بالنسبة للعائدين مثل عيسى، فإن التجول في هذه المساحات يعني التنقل بين الواقع الحالي وذكريات الماضي. كل جدار مكسور وحقل مهجور يحكي قصة خسارة، بينما تشير كل بذرة مزروعة حديثًا إلى تصميم هادئ لاستعادة مدينة كادت العنف أن تمحيها. لكن هذه العودة ليست سهلة، فتهديد بوكو حرام لا يزال قائمًا، وتضافرت معه تحديات اقتصادية واجتماعية.

وفقًا للمفوض بورنو للعلامات والمعلومات والأمن الداخلي أوسمان طار، فإن برنامج العودة يعتبر نجاحًا. وقال في العام الماضي: “هناك 5000 أسرة عائدة في مَلاَم فَتُوري، ويتجاوز إجمالي عدد سكان المدينة الآن 20000 شخص.”

يؤكد السكان المحليون والمسؤولون أن التهديد لا يزال وشيكًا. يُعتقد أن مقاتلي إمارة غرب أفريقيا التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية (ISWAP)، وهي جماعة مسلحة أخرى نشطة في المنطقة، يتمركزون في المناطق المستنقعية على بعد حوالي كيلومترين من المدينة، مستخدمين التضاريس الوعرة كغطاء. على الرغم من أن المدينة نفسها تخضع لحماية عسكرية مشددة، إلا أن المناطق المحيطة بها لا تزال تشهد هجمات واختطافات ومضايقات، خاصة على طول طرق المزارع والطرق المؤدية إليها.

تؤدي هذه الحوادث الأمنية المستمرة إلى تعزيز مناخ الخوف وعدم اليقين بين العائدين. في حين أن العديد من الأسر اختارت البقاء وإعادة البناء على الرغم من المخاطر، فإن قرب الجماعات المسلحة والعنف المستمر في المجتمعات المجاورة يجعل التعافي طويل الأجل هشًا. بالإضافة إلى ذلك، فإن القيود الأمنية تؤثر على الحياة اليومية، حيث يخضع السكان لفحوصات أمنية متكررة وضوابط صارمة على الحركة.

يشير خبراء الزراعة إلى أن الزراعة، وهي مصدر الرزق الرئيسي للسكان، تعاني بشدة بسبب هذه القيود. يقول بشير يونس، خبير زراعي في جامعة مايدوجوري ومزارع في المنطقة: “تحد من الوصول إلى الأراضي الزراعية، مما يجبر المزارعين على زراعة مساحات أصغر مما كانت عليه في السابق.”

المساعدات الإنسانية والآفاق المستقبلية

أعربت الأمم المتحدة عن قلقها بشأن برنامج إعادة التوطين الحكومي، مشيرة إلى إمكانية حدوث انتهاكات للحماية. وقال محمد مالك، المنسق المقيم للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في نيجيريا، خلال مقابلة مع الصحفيين في مايدوجوري: “يجب أن تكون أي عودة أو إعادة توطين مستنيرة وطوعية وآمنة وكريمة ومستدامة.” وأضاف أن عودة اللاجئين إلى مَلاَم فَتُوري ومناطق أخرى غير آمنة يجب تقييمها بعناية مقابل معايير السلامة والإنسانية المعمول بها، وألا تتم إلا إذا سمحت الظروف بتوفير الخدمات الأساسية وسبل العيش المستدامة.

بينما يواجه سكان مَلاَم فَتُوري تحديات جمة، فإنهم يبذلون جهودًا متواصلة لإعادة بناء مجتمعهم واستعادة سبل عيشهم. تم تنظيم ورش عمل وتدريب مهني لتمكين العائدين من اكتساب مهارات جديدة وبدء مشاريع صغيرة. كما أن هناك مبادرات مجتمعية تهدف إلى تعزيز المصالحة وبناء الثقة بين السكان.

ومع ذلك، لا تزال هناك حاجة ماسة إلى مزيد من الدعم الإنساني والمالي لضمان استدامة هذه الجهود. من المتوقع أن تقوم الحكومة النيجيرية والمنظمات الدولية بتوسيع نطاق المساعدات وتحديد أولويات توفير الخدمات الأساسية مثل المياه النظيفة والرعاية الصحية والتعليم. ويتعين أيضًا معالجة قضايا الأمن وتطوير استراتيجيات فعالة لحماية المدنيين.

في المستقبل القريب، ستكون مراقبة الوضع الأمني ​​وتقديم المساعدات الإنسانية المستمرة أمرًا بالغ الأهمية لضمان استمرار جهود التعافي في مَلاَم فَتُوري. ومن الضروري كذلك رصد تقدم برامج إعادة الإدماج والتأهيل للمقاتلين السابقين وتقييم تأثيرها على الاستقرار المجتمعي. تتطلب عودة مَلاَم فَتُوري إلى الحياة الطبيعية تضافر الجهود المستمرة من جميع الأطراف المعنية، مع التركيز على توفير الأمن والفرص الاقتصادية والخدمات الأساسية لجميع السكان.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version