تزايد شعبية نوع جديد من الخيال العلمي في الصين، يتمحور حول السفر عبر الزمن لتغيير مسار التاريخ الصيني. هذه الظاهرة، التي يطلق عليها البعض “الخيال البديل التاريخي” (Alternate History Fiction)، تعكس رغبة متنامية في إعادة كتابة الماضي، وتحديداً تصحيح ما يعتبره البعض أخطاءً وعثرات في تاريخ الأمة. يدرس الباحث رونغبن هان هذا الاتجاه الأدبي المتصاعد في كتابه الجديد، ويكشف عن دوافعه وآثاره المحتملة.

أظهرت دراسة أجراها هان، أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورجيا، أن مئات الروايات المنشورة على الإنترنت تتناول فكرة إرسال شخصيات إلى فترات تاريخية مختلفة في الصين، مزودة بمعرفة حديثة وتقنيات متطورة، بهدف “جعل الصين عظيمة مرة أخرى”. تستكشف هذه القصص سيناريوهات بديلة، بدءًا من إدخال الأنظمة البرلمانية في عهد أسرة مينغ، وصولاً إلى تسريع وتيرة الثورة الصناعية في الصين.

الخيال البديل التاريخي: تعبير عن القومية وتأكيد على سلطة الحزب الشيوعي

وفقًا لتحليل هان، فإن هذه الروايات ليست مجرد ترفيه، بل تعكس أيضًا اتجاهات اجتماعية وسياسية أعمق. يلاحظ أن غالبية هذه القصص يكتبها رجال، وتستهدف جمهورًا ذكوريًا في الغالب، وتركز بشكل خاص على فترات تاريخية شهدت فيها الصين ضعفًا أو إهانة. أسرة مينغ، على سبيل المثال، تحظى بشعبية كبيرة في هذه الروايات، حيث يرى الكثيرون أن سقوطها في يد أسرة تشينغ المانشورية هو السبب الرئيسي لتخلف الصين عن الركب الصناعي.

أسباب الشعبية المتزايدة

هناك عدة عوامل تساهم في شعبية هذا النوع من الأدب. أولاً، يوفر للخيال البديل التاريخي منفذًا للتعبير عن المشاعر القومية والرغبة في استعادة مجد الصين السابق. ثانيًا، يسمح للقراء باستكشاف سيناريوهات “ماذا لو” (What if) وتخيل مسارات بديلة للتاريخ. ثالثًا، تستفيد هذه الروايات من النمو الهائل في صناعة الروايات على الإنترنت في الصين، حيث يمكن للمؤلفين نشر أعمالهم بسهولة والتفاعل مع جمهور واسع.

بالإضافة إلى ذلك، يرى هان أن هذه الروايات تعمل بطريقة غير مباشرة على تبرير سلطة الحزب الشيوعي الصيني. من خلال التركيز على أخطاء الماضي، فإنها تقدم ضمنيًا الحزب كقوة قادرة على قيادة الصين نحو مستقبل أفضل. كما أن الروايات غالبًا ما تتكيف مع الرقابة الحكومية، وتتجنب انتقاد الحزب أو سياساته بشكل مباشر.

تشير الدراسة إلى أن متوسط طول هذه الروايات يبلغ حوالي 2.88 مليون حرف، وهو ما يعادل حجم سلسلة هاري بوتر باللغة الصينية. هذا يدل على أن القراء مستعدون للانخراط في قصص طويلة ومعقدة، مما يعكس أيضًا ثقافة القراءة المتنامية في الصين.

تعتبر رواية “نجمة الصباح في لينغاو” مثالاً كلاسيكيًا على هذا النوع من الخيال البديل التاريخي، حيث يتم إرسال 500 شخص إلى عهد أسرة مينغ لمحاولة إدخال الثورة الصناعية إلى الصين قبل مئات السنين من وقوعها الفعلي. تُظهر هذه الرواية كيف يمكن للتكنولوجيا والمعرفة الحديثة أن تغير مسار التاريخ.

ومع ذلك، يلاحظ هان أن الروايات التي تتناول السفر عبر الزمن من قبل شخصيات نسائية غالبًا ما تختلف في أهدافها. فبدلاً من محاولة “إنقاذ الصين”، تميل هذه الروايات إلى التركيز على العلاقات الشخصية أو المغامرات الفردية. وهذا يشير إلى وجود اختلاف في وجهات النظر بين المؤلفين الذكور والإناث حول دور المرأة في التاريخ.

تتزايد أهمية الروايات على الإنترنت في الصين، حيث أصبحت العديد من العناوين الأكثر شعبية أساسًا لإنتاجات سينمائية وتلفزيونية ضخمة. هذا يعكس التحول في صناعة الترفيه الصينية، حيث تلعب المنصات الرقمية دورًا متزايد الأهمية.

من المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه في النمو في السنوات القادمة، مع استمرار المؤلفين في استكشاف سيناريوهات بديلة للتاريخ الصيني. ومع ذلك، من المهم مراقبة كيفية تعامل الحكومة الصينية مع هذا النوع من الأدب، وما إذا كانت ستستمر في دعمه أو تقييده. كما يجب الانتباه إلى التغيرات في تفضيلات القراء، وما إذا كانت ستتجه نحو أنواع أخرى من الخيال العلمي أو الأدب التاريخي. ستظهر الصورة الكاملة بشكل أوضح مع استمرار تطور صناعة الروايات على الإنترنت في الصين.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version