يشهد الجيش البريطاني، وتحديداً قوات العمليات الخاصة المتميزة (SAS)، نزيفاً في الكفاءات مع استقالة الجنود خشية الملاحقة القانونية المحتملة على خلفية أفعالهم في ساحات القتال. هذا التطور يثير مخاوف مماثلة في صفوف القوات الأمريكية، ويؤجج نقاشاً حول التوازن بين المساءلة والمساندة القانونية للجنود. وتأتي هذه الاستقالات في وقت يواجه فيه الجيش البريطاني تدقيقاً متزايداً بشأن حجمه واستعداده.
تزايد المخاوف القانونية يدفع جنود قوات SAS إلى الاستقالة
أفادت صحيفة التلغراف البريطانية أن عدداً من أفراد قوات 22 SAS، وهي الوحدة الأكثر نخبة في الجيش البريطاني، تقدموا بطلبات للخروج المبكر من الخدمة بسبب الغضب المتزايد إزاء التحقيقات الجارية في مزاعم ارتكاب جرائم حرب في أفغانستان وسوريا وأيرلندا الشمالية. ويخشى الجنود من سنوات من التدقيق القانوني المحتمل بسبب القرارات التي اتخذوها في ظروف قتالية صعبة. ويشير التقرير إلى أن ما لا يقل عن وحدتين من قوات SAS تأثرتا بالاستقالات، ويصفها بعض الأعضاء الحاليين والسابقين بأنها “تهديد للأمن القومي”.
تأثيرات عالمية وتوازنات دقيقة
لا يقتصر هذا الجدل على بريطانيا. وحذر جون سبنسر، المدير التنفيذي لمعهد الحروب الحضرية، من أن القوات الأمريكية قد تواجه مخاوف مماثلة إذا لم يتمكن القادة السياسيون من التمييز بين التحقيقات المشروعة والحملات ذات الدوافع السياسية. وأكد سبنسر على أهمية التحقيقات في مزاعم الانتهاكات، ولكنه شدد على ضرورة حماية القوات، سواء كانت قوات خاصة أم لا، من “التحقيقات الاستعراضية” أو “حملات التشويه”.
وفي أستراليا، أصبحت قضية بن روبرتس سميث، الحاصل على وسام فيكتوريا، نقطة تجمع للمحاربين القدامى الذين يخشون أن يواجه الجنود النخبة سنوات من المعارك القانونية بعد خدمتهم في القتال. وروبرتس سميث، وهو أكثر جندي أسترالي مُكرّم على قيد الحياة، ينفي الاتهامات الموجهة إليه بارتكاب جرائم حرب في أفغانستان. وقد وجهت السلطات الأسترالية إليه خمس تهم تتعلق بالقتل فيما يتعلق بخدمته في أفغانستان.
الإنفاق الدفاعي والمساءلة القانونية
يرى العديد من المحاربين القدامى البريطانيين أن القضية الأسترالية تعزز مخاوفهم من أن نفس الاتجاه قد ينتشر إلى جيوش غربية أخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة. ويقول جورج سيم، وهو رقيب أول سابق في 22 SAS، إن النظام القانوني البريطاني قد تحول ضد الجنود الذين أرسلوا للقتال نيابة عن الحكومة. وأضاف: “إذا أطلق جندي النار بسلاحه، فمن شبه المؤكد أنه سيُطرق بابه يوماً ما. إنه شعور بالخيانة وكسر الثقة.”
تأتي هذه الاستقالات في الوقت الذي تواجه فيه حكومة كير ستارمر انتقادات بشأن الإنفاق الدفاعي ومعاملة المحاربين القدامى. وقد واجهت القوات المسلحة البريطانية تدقيقاً متزايداً بشأن حجمها واستعدادها في السنوات الأخيرة. لكن الحكومة البريطانية تقول إنها تعكس هذا الاتجاه، مشيرة إلى أن إجمالي قوة القوات المسلحة بلغ 182,050 فردًا اعتبارًا من 1 يناير 2026، بما في ذلك 136,960 جنديًا نظاميًا، وهو ما يمثل زيادة عن العام السابق.
كما تعهدت الحكومة بما تسميه أكبر زيادة مستدامة في الإنفاق الدفاعي منذ الحرب الباردة، حيث من المقرر أن يصل الإنفاق العسكري إلى 2.6٪ من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2027، بدعم من 5 مليارات جنيه إسترليني إضافية هذا العام المالي و 270 مليار جنيه إسترليني استثمارًا دفاعيًا خلال فترة البرلمان الحالي. كما قالت بريطانيا إنها تهدف إلى رفع الإنفاق الدفاعي إلى 3٪ من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية البرلمان التالي.
تأثير التحقيقات المستمرة
يركز الجدل على التحقيقات الجارية في عمليات القوات الخاصة البريطانية. ويشارك إجمالي 242 من أفراد القوات الخاصة، بما في ذلك 120 لا يزالون في الخدمة، حاليًا في تحقيقات قانونية تكلف ما يقرب من مليون جنيه إسترليني شهريًا. وتشمل هذه التحقيقات عمليات في أفغانستان وأيرلندا الشمالية وسوريا. ويرى النقاد أن هذه التحقيقات خلقت ثقافة يخشى فيها الجنود من أن القرارات التي اتخذوها في القتال ستؤدي لاحقًا إلى الملاحقة القضائية.
وقال أندرو فوكس، وهو ضابط سابق في الجيش البريطاني وزميل أول في جمعية هنري جاكسون، وهي مؤسسة فكرية مقرها لندن، إن العلاقة بين الجنود والحكومة قد تضررت بشدة. وأضاف: “القتال يتضمن اتفاقًا بين الحكومة وأولئك الذين يوظفونهم لاستخدام القوة المميتة. سيستخدم الجنود الحياة البشرية ضمن القواعد التي تحددها لهم القانون الدولي، وفي المقابل، يجب أن تدعمهم حكوماتهم. لقد انعكس هذا، وتم تسليح القانون الدولي واستغلاله من قبل أعدائنا لملاحقة جنودنا. في كثير من الأحيان، تقف الحكومات إلى جانب هؤلاء الأعداء، وليس قواتنا.”
وأضاف فوكس أنه من المفهوم أن بعض الجنود لن يرغبوا في الاستمرار في الخدمة. “يجب معاقبة المخالفين للقانون، لكننا نشهد انهيارًا للثقة بين الحكومات وقواتها المسلحة عندما يسمح السياسيون بمطاردة الجنود أمام المحاكم بشكل غير عادل.”
أكد متحدث باسم وزارة الدفاع البريطانية أن “من السياسة الراسخة للحكومات المتعاقبة عدم التعليق على القوات الخاصة البريطانية، ونحن نفخر للغاية بجميع قواتنا المسلحة ومساهمتها الاستثنائية في الحفاظ على سلامة المملكة المتحدة في الداخل والخارج”. وأضاف: “نحن ملتزمون بضمان أن الإطار القانوني الذي يحكم قواتنا المسلحة يعكس الحقائق العملية للعمليات العسكرية – وأن أولئك الذين خدموا بشرف محميون بشكل مناسب. عندما تقوم المملكة المتحدة بعمل عسكري، فإنها تمتثل بشكل كامل للقانون البريطاني والدولي. نحن نوضح أن الحفاظ على هذه المعايير لا يمنع قواتنا المسلحة من إجراء عمليات فعالة.”
حذر رؤساء عسكريون بريطانيون سابقون في رسالة مفتوحة إلى ستارمر في أواخر عام 2025 من أن الجنود يخشون بشكل متزايد من أنهم يجب أن يقلقوا بشأن “ليس فقط العدو أمامهم ولكن المحامي خلفهم”. ومن المتوقع أن تواصل الحكومة البريطانية مراجعة الإطار القانوني الذي يحكم العمليات العسكرية، مع التركيز على تحقيق التوازن بين المساءلة وحماية الجنود. وستراقب التطورات في هذا المجال عن كثب كل من القوات المسلحة والمحللين القانونيين، حيث يمكن أن يكون لها آثار بعيدة المدى على مستقبل العمليات العسكرية البريطانية.

