تواجه اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي و”ميركوسور” (Mercosur) صعوبات رغم موافقة أغلبية دول الاتحاد الأوروبي عليها يوم الجمعة الماضي. الاتفاقية، التي تهدف إلى تعزيز العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والأرجنتين والبرازيل وباراغواي والأوروغواي، لا تزال قيد الجدل، حيث تعبر بعض الدول عن مخاوفها بشأن المنافسة غير العادلة للمزارعين الأوروبيين بسبب معايير الإنتاج الأقل صرامة في أمريكا اللاتينية. هذا الجدل يضع مستقبل اتفاقية ميركوسور على المحك.
فرنسا على رأس الدول المعارضة للاتفاقية، وتعتزم مواصلة جهودها لمنع إتمامها. وتخشى باريس من أن الاتفاقية ستضر بالمزارعين الأوروبيين، وتدعو إلى إعادة النظر في شروطها لضمان تكافؤ الفرص. من المقرر أن يتم توقيع الاتفاقية رسميًا يوم السبت في أمريكا اللاتينية من قبل رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، إلا أن هذا لا يعني نهاية المشوار.
مستقبل اتفاقية ميركوسور: معركة في البرلمان الأوروبي والطعون القانونية المحتملة
أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن توقيع الاتفاقية لا يمثل نهاية القصة، مشيرًا إلى أن المعركة الحقيقية ستكون في البرلمان الأوروبي. يمتلك البرلمان الأوروبي سلطة رفض الاتفاقية، حيث يتطلب دستور الاتحاد الأوروبي موافقة البرلمان لإقرار اتفاقيات التجارة. بالإضافة إلى ذلك، هناك حديث عن إمكانية الطعن في الاتفاقية أمام محكمة العدل الأوروبية.
الطعن القانوني المحتمل
تشير مصادر برلمانية إلى أن النواب الأوروبيين سيصوتون الأربعاء المقبل على قرار يدعو محكمة العدل الأوروبية إلى تقييم مدى قانونية الاتفاقية. يقترح القرار، الذي قدمه نواب من كتلة الخضر وأحزاب يسارية، الطعن في “آلية الموازنة” التي تسمح لدول ميركوسور باتخاذ إجراءات تعويضية في حال أدت قوانين الاتحاد الأوروبي المستقبلية إلى تقليل صادراتها إلى أوروبا.
إذا تم اعتماد هذا القرار، فسيتم تعليق عملية التصديق على الاتفاقية بأكملها. ويرى معارضو الاتفاقية أن الحصول على أغلبية لصالح الطعن القانوني قد يكون أسهل من محاولة عرقلة الاتفاقية بشكل مباشر. وقالت فاليري هاير، النائبة الفرنسية ورئيسة مجموعة “تجديد أوروبا” الليبرالية، إن طلب رأي المحكمة يهدف إلى ضمان توافق جميع بنود الاتفاقية مع معاهدات الاتحاد الأوروبي وعدم المساس باستقلاليته أو بسيادته التشريعية.
في حال حكمت المحكمة ببطلان بعض أجزاء الاتفاقية، فسيتعين إعادة التفاوض مع دول ميركوسور، وهو ما قد يستغرق وقتًا طويلاً نظرًا لأن المفوضية الأوروبية قد أمضت بالفعل 25 عامًا في التفاوض على هذه الصفقة. ومع ذلك، قد تسعى المفوضية إلى تطبيق الاتفاقية بشكل مؤقت بعد توقيعها يوم السبت.
تسعى دول داعمة للاتفاقية، مثل ألمانيا وإسبانيا، إلى تطبيقها في أسرع وقت ممكن، حتى على أساس مؤقت، بهدف التصدي للنفوذ الأمريكي والصيني في أمريكا اللاتينية. لكن مسؤولة التجارة الكبرى في المفوضية، سابين وياند، أكدت في رسائل بريد إلكتروني اطلعت عليها وكالة الأنباء الأوروبية، أن التطبيق المؤقت لن يبدأ قبل موافقة البرلمان على الاتفاقية. وأضافت هاير أن رئيسة المفوضية ستتحمل مخاطر سياسية كبيرة إذا قررت التطبيق المؤقت في ظل السياق السياسي الحالي.
الكلمة الأخيرة للبرلمان الأوروبي
بغض النظر عن التطبيق المؤقت، يجب على البرلمان الأوروبي في النهاية إعطاء موافقته الرسمية على الاتفاقية. وتشير التقديرات إلى أن التصويت على الاتفاقية قد يتم بين شهري فبراير ومايو المقبلين، إذا فشل القرار المتعلق بالطعن القانوني الأسبوع المقبل. ويظل النواب الأوروبيون منقسمين بشدة على أساس وطني، حيث عارضت فرنسا والنمسا وبولندا والمجر وأيرلندا الاتفاقية في التصويت الذي جرى يوم الجمعة الماضي، بينما امتنعت بلجيكا عن التصويت.
ويُقدر أن حوالي 15 إلى 20 نائبًا فقط يمكن أن يغيروا نتيجة التصويت. في أكتوبر الماضي، رفض 269 نائبًا فقرة ترحب بإتمام اتفاقية التجارة الحرة في قرار بشأن استراتيجية الاتحاد الأوروبي تجاه أمريكا اللاتينية، بينما صوت 259 نائبًا لصالحها. يأمل المؤيدون الآن أن يؤدي تأييد الحكومات الأوروبية للاتفاقية الأسبوع الماضي إلى تغيير ميزان القوى في البرلمان. تتضمن القضايا ذات الصلة أيضًا تأثير السياسة التجارية على الاستدامة البيئية وحقوق الإنسان.
من المتوقع أن يكون الأسبوع المقبل حاسمًا في تحديد مسار اتفاقية ميركوسور، حيث سيتم التصويت على قرار الطعن القانوني. سيكون من المهم مراقبة رد فعل البرلمان الأوروبي، وموقف الدول الأعضاء، والتطورات المحتملة في المفاوضات. يبقى مستقبل الاتفاقية معلقًا على هذه العوامل، مع احتمال تأخير التصديق أو حتى إلغاء الاتفاقية بالكامل.

