أعرب الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو عن استعداد حكومته للدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة، وذلك بعد أشهر من الضغط العسكري الأمريكي الذي استهدف شبكات تهريب المخدرات المرتبطة بحكومته. يأتي هذا التصريح في وقت تشهد فيه العلاقات بين البلدين توتراً متزايداً، مع اتهامات متبادلة بالتدخل في الشؤون الداخلية وتدهور الأوضاع الاقتصادية في فنزويلا. هذه التطورات تضع قضية تهريب المخدرات من فنزويلا في دائرة الضوء.
تصريح مادورو وسط ضغوط أمريكية متزايدة
أدلى مادورو بهذا التصريح في مقابلة مسجلة مسبقاً مع الصحفي الإسباني إغناسيو رامونيت، والتي تم بثها على التلفزيون الرسمي. أكد مادورو أن فنزويلا “مستعدة” لمناقشة اتفاق بشأن مكافحة تهريب المخدرات مع الولايات المتحدة، داعياً إلى “بدء حوار جاد، مع وجود بيانات في متناول اليد”.
وأضاف أن الولايات المتحدة تسعى إلى تغيير النظام في فنزويلا والوصول إلى احتياطياتها النفطية من خلال حملة ضغط استمرت لعدة أشهر، وبدأت بنشر عسكري كبير في البحر الكاريبي في أغسطس. وفقاً لمادورو، فإن واشنطن تسعى إلى “فرض نفوذها من خلال التهديدات والترهيب والقوة”.
عمليات عسكرية أمريكية وتصعيد التوترات
وقد أكد الرئيس دونالد ترامب مؤخراً تنفيذ عملية استهدفت ما وصفه بأنه ميناء فنزويلي يستخدم لتهريب المخدرات، ولكنه رفض الكشف عما إذا كانت العملية قد نفذتها القوات الأمريكية مباشرة أم وكالة الاستخبارات المركزية. أعلنت القيادة الجنوبية للجيش الأمريكي (SOUTHCOM) عن مقتل ثمانية “إرهابيين من تجار المخدرات” في ضربات حركية حديثة في المحيط الهادئ الشرقي، في إطار جهود مكافحة تهريب المخدرات.
يُذكر أن أكثر من 114 شخصاً قتلوا منذ أن بدأت الولايات المتحدة قصف الزوارق التي يُزعم أنها تستخدم في تهريب المخدرات في منطقة البحر الكاريبي والمحيط الهادئ الشرقي في بداية سبتمبر. تواجه الولايات المتحدة تحديات كبيرة في مكافحة تهريب المخدرات عبر الحدود، وتشمل فنزويلا من بين الدول التي يعتبرها مصدر قلق في هذا الصدد. هذا الضغط العسكري المتزايد يأتي في سياق جهود أوسع لفرض عقوبات اقتصادية على فنزويلا.
العلاقات النفطية والفرص الاقتصادية
أشار مادورو أيضاً إلى أن الولايات المتحدة مهتمة بالوصول إلى النفط الفنزويلي. وقال: “إذا كانوا يريدون النفط، فإن فنزويلا مستعدة للاستثمار الأمريكي، مثلما هو الحال مع شركة شيفرون، متى وأين وكيفما أرادوا ذلك”. يشكل النفط المصدر الرئيسي للدخل القومي في فنزويلا، وقد تراجعت إنتاجه بشكل كبير بسبب الأزمة الاقتصادية والعقوبات الدولية.
شركة شيفرون هي الشركة الأمريكية الوحيدة الكبرى التي تقوم حالياً بتصدير النفط الخام الفنزويلي إلى الولايات المتحدة. تستثمر الشركة في مشاريع نفطية في فنزويلا بموجب تراخيص خاصة صادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية، والتي تسمح لها بمواصلة العمليات على الرغم من العقوبات. يجسد هذا الاستثمار تحولاً محدوداً في سياسة واشنطن تجاه فنزويلا، مدفوعاً بالرغبة في تأمين إمدادات النفط.
إضافة إلى الضغط العسكري، كثفت إدارة ترامب من الضغوط على مادورو في الأسابيع الأخيرة، حيث فرضت حصاراً كاملاً على ناقلات النفط التي تدخل أو تغادر فنزويلا، وصنفت نظامه منظمة إرهابية أجنبية، واتهمته باستخدام أصول أمريكية مسروقة لتمويل الإرهاب وتهريب المخدرات وغيرها من الأنشطة الإجرامية. كما قامت السلطات الأمريكية بمصادرة سفينتين تحملان نفطاً خاضعاً للعقوبات.
الوضع الإنساني والاقتصادي في فنزويلا
تأثرت فنزويلا بشدة بالأزمة الاقتصادية والسياسية التي تشهدها منذ سنوات، مما أدى إلى نقص حاد في المواد الغذائية والأدوية، وارتفاع معدلات الفقر والجريمة، وهجرة واسعة النطاق. أسفرت العقوبات الأمريكية عن تفاقم هذه المشاكل، حيث قللت من قدرة فنزويلا على تصدير النفط واستيراد السلع الأساسية. تعتبر قضية الأزمة الفنزويلية مرتبطة بشكل وثيق بقضية تهريب المخدرات، حيث يلجأ البعض إلى هذه الأنشطة غير القانونية كوسيلة للبقاء على قيد الحياة.
يتّسم الوضع الاقتصادي في فنزويلا بالتعقيد، مع وجود تضخم مفرط ونقص في العملة الأجنبية. يواجه الشعب الفنزويلي صعوبات جمة في الحصول على الضروريات الأساسية، مثل الغذاء والدواء والمأوى. هذا الوضع الإنساني السيئ قد يدفع المزيد من الفنزويليين إلى الهجرة إلى دول أخرى بحثاً عن فرص أفضل. تعتبر الاستثمارات الأجنبية في فنزويلا ضرورية لإنعاش الاقتصاد وتحسين الأوضاع المعيشية للسكان.
من المتوقع أن تشهد الأيام القليلة القادمة المزيد من التطورات في هذا الملف، بما في ذلك رد فعل الحكومة الفنزويلية على الضربات العسكرية الأمريكية. سيكون من المهم مراقبة أي تحركات دبلوماسية بين البلدين، فضلاً عن التطورات الاقتصادية والسياسية في فنزويلا. يبقى مستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة وفنزويلا غير واضح، ويتوقف على العديد من العوامل، بما في ذلك نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة.

