أكد وزراء الفضاء الفرنسيون والألمان على الحاجة الملحة لتطوير سياسة فضاء أوروبية مستقلة تركز بشكل كبير على المعدات والخدمات المصنوعة في أوروبا، وذلك لتعزيز الأمن والتنافسية في القارة. جاء هذا التحذير خلال مؤتمر الفضاء الأوروبي، حيث شدد المسؤولون على أن “الوقت جوهري” لتأمين مستقبل القارة في مجال الفضاء. سياسة الفضاء الأوروبية أصبحت ضرورة استراتيجية في ظل التغيرات الجيوسياسية المتسارعة.
أثناء المؤتمر الذي عقد الثلاثاء، وناقش التحديات والفرص المتاحة، صرح فيليب بابتيست، الوزير الفرنسي للتعليم العالي والبحث والفضاء، بأن التطورات العالمية أظهرت أن بعض الحلفاء السابقين أصبحوا أقل قابلية للتنبؤ، في إشارة ضمنية إلى الولايات المتحدة. أضاف الوزير أن هذا التحول يؤثر بشكل مباشر على برامج الدفاع والأمن الأوروبية، بما في ذلك الجوانب المتعلقة بالفضاء.
تعزيز الصناعة الأوروبية من خلال سياسة فضاء أوروبية
تسعى الاتحاد الأوروبي منذ بداية العقد الحالي إلى تعزيز التنسيق في مجال أصول وخدمات الفضاء، بعد أن تأخر عن الولايات المتحدة والصين. وقد أبرزت الحرب في أوكرانيا الدور الحيوي الذي يلعبه الفضاء في الدفاع، بالإضافة إلى كونه ساحة متزايدة للنزاعات المحتملة.
ووفقًا لخطة الاستعداد الدفاعي للاتحاد الأوروبي لعام 2030، تم تحديد الأصول الاستراتيجية، بما في ذلك أصول الفضاء، كأولوية للاستثمار جنبًا إلى جنب مع الذخيرة والدفاع الجوي والطائرات بدون طيار. تهدف هذه الخطة إلى تزويد الدول الأعضاء بالقدرات اللازمة للدفاع عن نفسها ضد أي هجوم روسي محتمل بحلول عام 2030.
كما طرحت المفوضية الأوروبية مشروع “درع الفضاء الأوروبي” كأحد مشاريعها الدفاعية الرائدة الأربعة، إلا أن التفاصيل المحددة لهذا المشروع لا تزال غير واضحة إلى حد كبير. لكن بابتيست أشار إلى أنه يجب على الاتحاد الأوروبي تطبيق “أفضلية أوروبية بنسبة 100%” فيما يتعلق بالفضاء والدفاع.
تتبنى فرنسا بالفعل نهجًا داعمًا للأفضلية الأوروبية في الدفاع، حيث يخضع الوصول إلى الأموال من مخطط القروض الدفاعية للاتحاد الأوروبي وبرنامج الصناعة الدفاعية الأوروبية لشرط أساسي وهو أن تكون أغلبية قيمة أي نظام يتم شراؤه من تصنيع أوروبي.
واستطرد بابتيست قائلاً: “كيف يمكننا أن نتصور استخدام أموال أوروبية لشراء وتطوير من شركاء أجانب فقط؟ هذا ليس ما ينبغي أن نفعله. ما يجب أن نفعله هو استخدام أموالنا الأوروبية لتطوير الصناعة الأوروبية.” إن شراء الأصول الأوروبية وإطلاقها إلى الفضاء بواسطة شركات أوروبية يضمن عدم قدرة أي دولة خارجية على عرقلة إطلاق الصواريخ أو تفعيل ما يسمى بـ “زر الإيقاف”، مما قد يمنع استخدام نظام معين تم إنتاج بعض مكوناته في الخارج.
التحديات التي تواجه التكامل الأوروبي في مجال الفضاء
ومع ذلك، أكد بابتيست على أن كل هذا لا يمكن أن يتحقق إلا إذا اتفقت جميع الدول الـ 27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على سياسة فضاء مشتركة. يشمل ذلك تنسيق الاستثمارات وتحديد الأولويات وتبني معايير مشتركة لضمان التوافق التشغيلي للأصول والأنظمة الفضائية.
فيما يتعلق بالوتيرة البطيئة للتكامل الأوروبي حتى الآن، قال بابتيست: “نحن نتحسن ونتعلم بسرعة كبيرة، ويجب أن نكون ممتنين لرئيس الولايات المتحدة الذي يساعدنا كل يوم في هذا الموضوع.” وأردف قائلاً: “أعتقد أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يقود المستقبل السياسي للفضاء من حيث الرؤية والبرامج التي يجب تطويرها.”
من جانبها، دعت دوروثي بار، وزيرة الفضاء الألمانية، إلى تسريع وتيرة بناء سياسة فضاء مشتركة. وأضافت في خطابها الرئيسي أمام المؤتمر: “يمكننا جميعًا أن نرى ما يحدث في العالم، لذا فإن الانتظار ليس خيارًا. الوقت جوهري”.
أعلنت ألمانيا أنها ستستثمر 35 مليار يورو في القدرات الفضائية العسكرية بحلول عام 2030، وهي أيضًا المساهم الأكبر في وكالة الفضاء الأوروبية. وشددت بار على أهمية أن تتكامل جميع مساهمات الدول والجهات الفاعلة في قطاع الفضاء الأوروبي، داعية إلى قابلية التشغيل البيني بين أصول وأنظمة الفضاء التابعة للاتحاد الأوروبي.
واختتمت بار حديثها مؤكدة: “نحن نعيش حاليًا تحولًا عظيمًا. أسلوب حياتنا تحت الضغط، وكذلك حريتنا وأمننا. لذلك علينا جميعًا أن نفعل المزيد. وهذا يعني الدفاع عن قناعاتنا والدعوة إلى استخدام آمن ومستدام وسلمي للفضاء.”
من المتوقع أن تستمر المناقشات حول تطوير سياسة فضاء أوروبية موحدة خلال الأشهر المقبلة، مع التركيز على تحديد آليات التمويل وتوزيع المسؤوليات وضمان التوافق بين مصالح الدول الأعضاء. يبقى التحدي الأكبر هو التغلب على الخلافات السياسية والمصالح الوطنية المتضاربة من أجل تحقيق هدف مشترك وهو تعزيز استقلالية أوروبا في مجال الفضاء وضمان أمنها ومستقبلها التنافسي. من بين الأمور التي يجب مراقبتها، التقدم المحرز في مشروع “درع الفضاء الأوروبي” وتحديد شكله النهائي وميزانيته.

