شهد قطاع الاستثمار الجريء في المملكة العربية السعودية نموًا ملحوظًا خلال العام الماضي، حيث سجلت 254 صفقة بقيمة إجمالية بلغت 1.66 مليار دولار أمريكي، وفقًا لتقرير صادر عن الشركة السعودية للاستثمار الجريء (SVC). يعكس هذا الأداء القوي التزام المملكة المتزايد بدعم ريادة الأعمال والشركات الناشئة، وترسيخ مكانتها كمركز إقليمي رئيسي للتمويل المبتكر.
تتصدر السعودية دول منطقة الشرق الأوسط في جذب تمويلات رأس المال الجريء، مدفوعة بإطلاق مبادرات استثمارية جديدة مدعومة من الصندوق السيادي. يأتي هذا الدعم في إطار رؤية المملكة 2030، التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، مع التركيز على دعم الابتكار والنمو في القطاعات غير النفطية.
قفزة نوعية في حجم الاستثمار الجريء
على الرغم من انخفاض طفيف في عدد الصفقات بنسبة 44% ليصل إلى 178 صفقة بقيمة 750 مليون دولار في النصف الأول من عام 2024، إلا أن السعودية حافظت على مكانتها كأكبر دولة في الشرق الأوسط من حيث حجم التمويل الجريء للعام الثاني على التوالي. يُعزى هذا الانخفاض إلى تحول اهتمام المستثمرين نحو الاستثمارات في المراحل المبكرة من النمو، وفقًا لتقارير منصة “ماغنيت” (Magnitt).
تعزيز مكانة المملكة الإقليمية
أظهرت البيانات أن الاستثمار الجريء في المملكة تضاعف 25 مرة منذ تأسيس الشركة السعودية للاستثمار الجريء في عام 2018. وقد سجلت السعودية رقمًا قياسيًا في صفقات الاستثمار الجريء في النصف الأول من العام الجاري، حيث بلغت 3.2 مليار ريال (860 مليون دولار)، بزيادة قدرها 116% على أساس سنوي، متجاوزةً بذلك إجمالي حجم الاستثمار في العام الماضي بأكمله.
يرى نبيل كوشك، الرئيس التنفيذي وعضو مجلس الإدارة في (SVC)، أن هذه الأرقام تعكس نضجًا هيكليًا في قطاع الاستثمار الجريء، وقوة الاقتصاد السعودي، وأهمية منظومة الاستثمار الجريء كركيزة أساسية للنمو الاقتصادي والتنويع.
نضوج سوق رأس المال الاستثماري
في المقابل، شهدت منطقة الشرق الأوسط ككل انخفاضًا في حجم تمويل رأس المال الجريء خلال عام 2024، حيث بلغ 1.5 مليار دولار، بانخفاض قدره 29% مقارنة بالعام السابق. يعكس هذا التوجه تحولًا في استراتيجيات المستثمرين نحو التركيز على الشركات الناشئة في مراحلها الأولية.
يعزو خبراء هذا التغيير إلى عدة عوامل، بما في ذلك الظروف الاقتصادية العالمية، وارتفاع أسعار الفائدة، وزيادة المخاطر الجيوسياسية. ومع ذلك، لا يزال قطاع الاستثمار الجريء في السعودية يتمتع بمكانة قوية، بفضل الدعم الحكومي القوي والاهتمام المتزايد من المستثمرين المحليين والدوليين.
دور الشركة السعودية للاستثمار الجريء
تأسست الشركة السعودية للاستثمار الجريء في عام 2018، بتفويض لاستثمار 3 مليارات دولار أمريكي حتى عام 2030، بهدف تطوير منظومة التمويل للشركات الناشئة والمنشآت الصغيرة والمتوسطة. وقد ضخت الشركة حوالي 300 مليون دولار سنويًا خلال العامين الماضيين، وتخطط لمواصلة هذا الوتيرة حتى عام 2026.
بالإضافة إلى ذلك، تعمل الشركة على جذب المستثمرين العالميين إلى السوق السعودي، وتعزيز التعاون بين الشركات الناشئة والمستثمرين، وتوفير الدعم الفني والمالي للشركات الواعدة. وتشمل القطاعات الرئيسية التي تستهدفها الشركة التكنولوجيا المالية، والتجارة الإلكترونية، والرعاية الصحية، والتعليم.
يشير تحليل السوق إلى أن قطاع الاستثمار الجريء في السعودية يشهد تحولاً نحو الاستثمارات النوعية التي تركز على الابتكار والتكنولوجيا المتقدمة. ويتوقع الخبراء أن يستمر هذا الاتجاه في السنوات القادمة، مع زيادة التركيز على الشركات الناشئة التي تقدم حلولًا مبتكرة للتحديات المحلية والإقليمية.
من المتوقع أن تواصل الشركة السعودية للاستثمار الجريء دورها المحوري في دعم نمو قطاع الشركات الناشئة في المملكة، مع التركيز على جذب المزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتعزيز التعاون بين مختلف الجهات الفاعلة في النظام البيئي لريادة الأعمال. وستراقب الأوساط الاقتصادية عن كثب تطورات هذا القطاع الحيوي، وتقييم تأثيره على النمو الاقتصادي والتنويع في المملكة.

