تشهد الولايات المتحدة ومملكة المتحدة نقاشات متزايدة حول كيفية تنظيم الوصول إلى المحتوى الإباحي على الإنترنت، وخاصةً على منصات التواصل الاجتماعي. وتثير القوانين الجديدة المقترحة والمطبقة تحديات كبيرة تتعلق بالخصوصية الرقمية وحرية التعبير، بالإضافة إلى الجدوى الفنية لتطبيقها. يركز الجدل الحالي بشكل خاص على تحديد نسبة المحتوى الإباحي المسموح بها على المنصات قبل إلزامها بتدابير التحقق من العمر، وهو ما يثير تساؤلات حول معنى “التحقق من العمر” نفسه.
بدأت هذه النقاشات تتصاعد بعد عدة حوادث تتعلق بوصول القاصرين إلى مواد إباحية، مما دفع المشرعين إلى البحث عن طرق لحماية الأطفال على الإنترنت. وظهرت قوانين جديدة تهدف إلى إلزام مواقع الويب والمنصات بالتحقق من عمر المستخدمين قبل السماح لهم بالوصول إلى المحتوى المخصص للبالغين. ومع ذلك، فإن تعريف “المحتوى الإباحي” وتنفيذه يمثلان عقبة رئيسية.
التحديات القانونية والتقنية للتحقق من العمر
يواجه تحديد ما يشكل “محتوى إباحيًا” صعوبات قانونية وفنية كبيرة. وفقًا لـ “آلان باتلر”، المدير التنفيذي لمركز المعلومات والخصوصية الإلكترونية، فإن الأمر يتعلق في الغالب بـ “إحصاء” لتحديد ما إذا كان ينطبق القانون. هل تُعتبر الصورة أو الفيديو إباحيًا بناءً على درجة العري أو السياق أو النية؟
في ولاية أريزونا، على سبيل المثال، يحدد القانون الجديد حدًا أقصى بنسبة ثلث المحتوى المخصص للبالغين على المنصة. وقد صرح “كوبر”، راعي القانون في أريزونا، بأنه اعتمد هذا الحد لأنه تم تأييده سابقًا من قبل المحكمة العليا للولايات المتحدة. ومع ذلك، يقر “كوبر” بصعوبة تحليل هذه النسب بدقة على جميع مواقع الويب.
ويرى “كوبر” أنه يجب إلزام المنصات بالتحقق من عمر المستخدمين فقط للمحتوى الإباحي الصريح، وليس للموقع بأكمله. وتقوم منصة X بالفعل بتصنيف بعض المنشورات على أنها “محتوى للبالغين مقيد بالعمر” ويتطلب ذلك تسجيل الدخول وتأكيد أن المستخدمين فوق 18 عامًا. لكن التحقق من هذه القيود على منصات أخرى مثل Grok لم يكن واضحًا.
جدل حول نسبة المحتوى الإباحي
وفقًا لتقديرات غير مؤكدة، قد يصل المحتوى الإباحي على منصة X إلى 15-25% من إجمالي المحتوى. ومع ذلك، فإن هذه الأرقام غير رسمية، ولا يوجد إجماع حول كيفية قياسها بدقة. يذكر السيناتور “ديف مورمان” من ولاية نبراسكا أنه لا يعتقد أن X تحتوي على ثلث محتواها على الأقل من مواد غير مناسبة جنسيًا أو ضارة بالقاصرين، لكنه يقر بأنه لم يتم إجراء قياس رسمي لذلك.
تستهداف هذه التشريعات، بشكل عام، حماية الأطفال من التعرض لمواد ضارة. ومع ذلك، يُنظر إليها على أنها ذات تأثير محدود في ظل الانتشار الواسع للمحتوى عبر الإنترنت وتنوع أساليب الوصول إليه.
رد فعل الشركات و الحلول البديلة
في المقابل، أبدت الشركات العاملة في هذا المجال تحفظات كبيرة على هذه القوانين. أعلنت Pornhub، إحدى أكبر المواقع الإباحية في العالم، عن حظرها في معظم الولايات التي تنفذ قوانين التحقق من العمر، بحجة وجود عدد كبير جدًا من المواقع غير المتوافقة وأن المستخدمين لا يرغبون في تقديم هوياتهم ومعلوماتهم الشخصية للتحقق من أعمارهم.
ويعتبر “سولومون فريدمان”، نائب رئيس الامتثال في شركة Ethical Partners Capital (ECP) المالكة لـ Pornhub، أن منهجية ونطاق قوانين التحقق من العمر “معيبة بشكل قاتل”. واقترح بدلاً من ذلك اعتماد “التحقق من العمر على مستوى الجهاز”، حيث يتم تخزين بيانات المستخدمين على هواتفهم أو أجهزة الكمبيوتر المحمولة الخاصة بهم.
ويعتقد “فريدمان” أن هذا الحل يمكن تطبيقه أيضًا على المواقع غير الإباحية التي تحتوي على محتوى للبالغين، مثل منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. ولكنه أشار إلى أن هذا يتطلب تعاونًا من شركات التكنولوجيا الكبرى مثل Google و Apple و Microsoft، والتي لم ترد بعد على طلبات WIRED للتعليق.
علاوة على ذلك، يرى البعض أن التركيز يجب أن يكون على مكافحة الاستغلال الجنسي للأطفال عبر الإنترنت، وليس على تنظيم الوصول إلى المحتوى الإباحي بشكل عام. ويؤكدون على أهمية التعاون الدولي وتبادل المعلومات بين سلطات إنفاذ القانون وشركات التكنولوجيا.
بالإضافة إلى ذلك، يحدّث مطورو برامج حظر المواقع الإباحية باستمرار تقنياتهم لمواكبة المحتوى الجديد وتعزيز فعاليتها. تشمل هذه التقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لتحليل الصور ومقاطع الفيديو وتحديد المحتوى الإباحي بدقة أكبر.
الخطوات القادمة والمستقبل
من المتوقع أن تستمر النقاشات حول قوانين التحقق من العمر في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، مع احتمال إجراء تعديلات على التشريعات الحالية أو اقتراح قوانين جديدة. يبقى السؤال الأهم هو كيفية تحقيق التوازن بين حماية الأطفال وحماية الحريات الرقمية، وكيفية ضمان فعالية هذه القوانين دون فرض أعباء غير ضرورية على الشركات والمستخدمين العاديين.
يجب على صناع السياسات وشركات التكنولوجيا والمجتمع المدني العمل معًا لإيجاد حلول عملية ومستدامة لهذه المشكلة المعقدة. سيراقب خبراء الأمن السيبراني عن كثب كيفية التعامل مع تحديات الخصوصية والأمن المرتبطة بالتحقق من العمر، وكيف ستؤثر هذه القوانين على المشهد الرقمي بشكل عام.

