لطالما اعتمد الحرس الثوري الإسلامي الإيراني والنخبة الحاكمة الدينية لعقود على نظام ينتقده البعض باعتباره استراتيجيًا بقدر ما هو انتهازي: إدانة الغرب علنًا، مع تأمين مستقبل عائلاتهم هناك بهدوء. هذه الظاهرة، المعروفة باسم “أغزازاده” (أبناء النخبة)، تثير تساؤلات حول تناقضات النظام الإيراني وتأثيره في الغرب.
ظاهرة “أغزازاده” وتأثيرها في الغرب
يقول كاسرا آرابي، مدير أبحاث الحرس الثوري في “متحدون ضد إيران النووية”، “النظام الإيراني فاسد حتى النخاع”. وأضاف: “بينما يقوم رجال الدين وقادة الحرس الثوري بتأسلم المجتمع الإيراني عنفًا وتصدير معاداة أمريكا على مستوى العالم، يعيش أبناؤهم وبناتهم أسلوب حياة باذخًا بأموال ملطخة بالدماء في العواصم الغربية.” هذه الممارسة، التي تتضمن نقل الثروة والاستفادة من الفرص في الخارج، تثير جدلاً واسعًا داخل إيران وخارجها.
جذور الظاهرة وتطورها التاريخي
تتذكر الصحفية الإيرانية بنافش زاند فتاة من مدرستها، وهي ذكرى لم تكتسب معناها إلا بعد سنوات، عندما ظهر وجه مألوف في سياق مختلف تمامًا. كانت الفتاة هادئة ومجتهدة، وقد تشكلت جزئيًا بسبب سنوات قضتها في الولايات المتحدة، حيث تعلمت اللغة الإنجليزية بطلاقة. لاحقًا، أصبحت هذه الفتاة المتحدثة باسم المتطرفين الذين احتجزوا 52 أمريكيًا كرهائن لمدة 444 يومًا، ودافعت عن الاستيلاء على السفارة الأمريكية واصفة إياه بأنه “الخطوة الأفضل” للثورة.
لاحقًا، عاش ابنها، عيسى هاشمي، في الولايات المتحدة، وتابع دراساته العليا وبنى مسيرة أكاديمية في لوس أنجلوس. هذا المسار يتناقض بشكل صارخ مع الأيديولوجية التي ساعدت والدته في صياغتها للعالم. بالنسبة لزاند، هذه ليست مجرد قصة فردية، بل هي نافذة على طريقة عمل النظام نفسه.
شبكة ثلاثية الطبقات في الغرب
يقول الصحفي الإيراني المنفي مهدي قديمي، ومقره في كندا، إن هذه الظاهرة منظمة. “عندما نتحدث عن وجود عملاء للجمهورية الإسلامية، وخاصة الحرس الثوري، هنا في كندا، يجب أن نفهم أن هذا ليس عشوائيًا”، كما قال لـ Fox News Digital. “إنه يعمل على عدة مستويات.”
وفقًا لقديمي، تتكون الشبكة من ثلاثة مستويات. يبدأ المستوى الأول بأولئك الذين يصلون كطلاب وأكاديميين، وغالبًا ما يقدمون أنفسهم كمهاجرين عاديين مع الحفاظ على علاقات مع النظام أو أجهزته الأمنية. المستوى الثاني هو مالي، ويتكون من الداخلين السابقين والشركاء الموثوق بهم الذين يدخلون البلدان الغربية كمستثمرين أو رجال أعمال، وغالبًا ما يحملون رأس مال كبير يثير تساؤلات حول مصدره. أما المستوى الثالث فيشمل الأفراد الذين يتلقون موافقة صريحة من النظام لتحريك مبالغ كبيرة إلى الخارج، وهي عملية تتطلب، وفقًا لقديمي، “ضوءًا أخضر” من الجهاز الأمني وغالبًا ما تأتي مع توقعات في المقابل.
أمثلة بارزة وشخصيات مؤثرة
من الأمثلة البارزة محمود رضا خافري، الرئيس السابق لبنك ملي إيران، الذي فر من البلاد في عام 2011 بعد تورط البنك في فضيحة اختلاس تقدر بنحو 2.6 مليار دولار. استقر خافري لاحقًا في كندا، حيث اشترى هو وعائلته عقارات باهظة الثمن في تورنتو.
كما تم ربط مجتبى خامنئي، الذي من المتوقع أن يكون الزعيم الأعلى الجديد للبلاد، بشبكة من الأصول الخارجية، بما في ذلك العقارات الفاخرة في لندن. تشير التحقيقات إلى أن خامنئي يمتلك أصولًا تقدر بنحو 138 مليون دولار في أوروبا والخليج.
تأثير “أغزازاده” على الداخل الإيراني
في الداخل الإيراني، يتناقض هذا الواقع مع حياة المواطنين العاديين. تواجه النساء الاعتقال بسبب انتهاك قواعد اللباس، ويُسجن المتظاهرون، وتعمّ الصعوبات الاقتصادية. في المقابل، يعيش أبناء النخبة حياة مختلفة تمامًا في الخارج. هذا التناقض يثير غضبًا واسعًا بين الإيرانيين.
مستقبل التحقيقات والتدابير المحتملة
تتزايد الدعوات الغربية للتحقيق في أنشطة “أغزازاده” وفرض عقوبات عليهم. يرى البعض أنهم يجب أن يعاملوا معاملة مماثلة لرجال الأعمال الروس المرتبطين بالكرملين. ومع ذلك، لا تزال الحكومات الغربية مترددة في اتخاذ إجراءات حاسمة، مما يثير تساؤلات حول مدى جدية معالجة هذه القضية. من المتوقع أن تشهد الأشهر القادمة مزيدًا من التدقيق في الأصول الخارجية لأفراد النظام الإيراني، مع احتمال فرض عقوبات جديدة أو اتخاذ إجراءات قانونية. يبقى من غير الواضح ما إذا كانت هذه الجهود ستؤدي إلى تغيير ملموس في سلوك النظام الإيراني أو تأثيره في الغرب.

