يشهد عام 2024 تصاعدًا ملحوظًا في حوادث معاداة السامية في أوروبا، وهو ما دفع رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان إلى الإدلاء بتصريح مثير للجدل، مؤكدًا أن المجتمعات اليهودية في بودابست أكثر أمانًا من أي مكان آخر في القارة. يأتي هذا التصريح في ظل تقارير من رابطة مكافحة التشهير (ADL) تشير إلى ارتفاع حاد في هذه الحوادث، مما يثير مخاوف واسعة النطاق بشأن سلامة اليهود في أوروبا.

تصعيد معاداة السامية في أوروبا: هل بودابست استثناء؟

أعلن أوربان عبر منصة X (تويتر سابقًا) عن “عدم التسامح مطلقًا مع معاداة السامية، ولا توجد جرائم كراهية، ولا مهاجرون عنيفون” في بودابست. واصفًا إياها بأنها “مدينة أوروبية حديثة ينبغي أن تكون عليها.” وقد تلقى هذا الادعاء دعمًا علنيًا من وزير شؤون الجالية اليهودية الإسرائيلي، أميتشاي تشيكلي، الذي أكد أن بودابست تعد “من أكثر العواصم الأوروبية أمانًا وترحيبًا بالمجتمع اليهودي والمواطنين الإسرائيليين على حد سواء.”

وتزامن تصريحات المسؤولين الهنغاريين مع تقرير صادر عن رابطة مكافحة التشهير (ADL) يوضح تفاقم ظاهرة معاداة السامية في أوروبا بشكل ينذر بالخطر. التقرير، بعنوان “اتخاذ إجراء: معاداة السامية تتصاعد في أوروبا”، كشف عن زيادة كبيرة في التحرش والتدنيس والتهديدات والاعتداءات الجسدية ضد اليهود في دول مختلفة، خاصةً بعد هجوم حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023 والحرب في غزة.

ووفقًا للتقرير، شهدت دول مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة ارتفاعًا حادًا في الحوادث. وأصبح أفراد الجالية اليهودية يشعرون بتهديدات أمنية متزايدة، مع التعبير عن مخاوف بشأن ارتداء الرموز الدينية المرئية في الأماكن العامة. الـ ADL حذرت من أن المؤسسات اليهودية في جميع أنحاء أوروبا تتطلب الآن مستويات أعلى من الحماية، وأن معاداة السامية أصبحت مقبولة بشكل متزايد في الخطاب العام.

الوضع في هنغاريا: نظرة متباينة

تضم هنغاريا أكبر تجمع لليهود في أوروبا الوسطى، حيث يقدر عددهم ما بين 80 ألفًا و 100 ألف شخص، معظمهم يعيشون في بودابست. وقد قدم قادة المجتمع اليهودي في هنغاريا تقييمات متباينة على مر السنين. فقد أشاد البعض بجهود الحكومة في ترميم الكنائس اليهودية، وإحياء ذكرى الهولوكوست، ودعم الحياة الثقافية اليهودية، بالإضافة إلى الحفاظ على علاقات دبلوماسية وثيقة مع إسرائيل.

ومع ذلك، أعرب آخرون عن قلقهم بشأن الخطاب القومي المتزايد والخلافات حول الذاكرة التاريخية، خاصة فيما يتعلق بدور هنغاريا في الهولوكوست. وتشير الإحصائيات التاريخية إلى أن هنغاريا كانت تضم واحدة من أكبر الجاليات اليهودية في أوروبا قبل الحرب العالمية الثانية، حيث بلغ عدد أفرادها حوالي 825 ألفًا.

وبعد الاحتلال الألماني في مارس 1944، قامت السلطات الهنغارية والنازية بترحيل ما يقدر بنحو 430 ألفًا إلى 440 ألفًا من اليهود إلى معسكر أوشفيتز في غضون أسابيع، حيث قتل معظمهم فور الوصول. وبشكل عام، يقدر المؤرخون أن حوالي 564 ألفًا من اليهود المجريين لقوا حتفهم خلال الهولوكوست.

تتعارض تصريحات أوربان مع اتجاهات واسعة النطاق تظهر في العديد من الدول الأوروبية، حيث يشعر اليهود بعدم الأمان بشكل متزايد. وتتضمن هذه الاتجاهات انتشار النظريات المؤامرة المعادية للسامية عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، وكذلك زيادة في هجمات الكراهية والتحرش.

في المقابل، ترفض الحكومة الهنغارية بشكل قاطع الاتهامات بممارسة معاداة السامية، مشيرة إلى علاقاتها الوثيقة مع إسرائيل ومعارضتها العلنية للعنف الموجه ضد اليهود. غالبًا ما يقارن المسؤولون الهنغاريون الوضع في بودابست بالمدن الغربية الكبرى حيث تتطلب المؤسسات اليهودية الآن حماية بوليسية مشددة، وحيث تحولت بعض الاحتجاجات المرتبطة بالحرب في غزة إلى أعمال عنف.

تأتي هذه الأحداث في ظل تحذيرات متزايدة من أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بشأن تصعيد الحملة العالمية ضد اليهود وإسرائيل، والتي تنفذها جماعات مثل داعش وإيران. وبحسب هذه التحذيرات، فإن هذه الحملة تستغل الصراعات الجيوسياسية وتستفيد من مناخ الكراهية المتصاعد عبر الإنترنت وفي المجتمعات المحلية.

ومن المتوقع أن تستمر رابطة مكافحة التشهير (ADL) في رصد وتوثيق حوادث معاداة السامية في جميع أنحاء العالم، ونشر تقارير دورية حول التطورات والاتجاهات الجديدة. كما أنها تسعى إلى التعاون مع الحكومات والمنظمات غير الحكومية لمكافحة هذه الظاهرة وتوفير الحماية للمجتمعات اليهودية. المستقبل سيشهد ما إذا كانت بودابست ستظل بالفعل واحة للأمان، وما إذا كانت المقاييس التي اتخذتها ستكون كافية لعكس الاتجاه المتصاعد لمعاداة السامية في أوروبا على المدى الطويل.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version