تراجعت الاتحاد الأوروبي عن اتخاذ إجراءات انتقامية فورية، بما في ذلك تفعيل ما يُعرف بـ “قنبلة موقوتة تجارية” ضد الولايات المتحدة، ردًا على التهديدات الأخيرة بفرض رسوم جمركية من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن جرينلاند. جاء هذا القرار بعد اجتماع عاجل في بروكسل يوم الأحد، حيث أعربت الدول الأعضاء عن تفضيلها إعطاء الأولوية للحوار والدبلوماسية مع واشنطن قبل اللجوء إلى إجراءات الرسوم الجمركية الانتقامية.
الاجتماع الذي ضم سفراء الدول الـ 27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ناقش مجموعة من الخيارات المتاحة، بما في ذلك أداة مكافحة الإكراه (ACI) التي تم اعتمادها في عام 2023. هذه الأداة تمنح الاتحاد الأوروبي صلاحيات لفرض عقوبات تجارية على الدول التي تمارس “الابتزاز الاقتصادي”، لكن لم يتم استخدامها حتى الآن.
الخلاف حول الرسوم الجمركية وتأثيره على التجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة
تأتي هذه التطورات في ظل تهديدات الرئيس ترامب بفرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 10٪ على ثمانية دول أوروبية، بما في ذلك الدنمارك وألمانيا وفرنسا، اعتبارًا من الأول من فبراير. وفقًا لمصادر أوروبية، فإن الاتحاد الأوروبي قد يعيد النظر في حزمة انتقامية بقيمة 93 مليار يورو تستهدف المنتجات الأمريكية إذا نفذ ترامب تهديداته.
هذه الحزمة، التي تم إعدادها العام الماضي، تتضمن فرض رسوم جمركية انتقامية على مجموعة واسعة من المنتجات الأمريكية، بما في ذلك السيارات والدواجن، بأسعار تصل إلى 30٪. تم تجميد هذه الحزمة بعد التوصل إلى اتفاق تجاري بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في الصيف الماضي، والذي حدد رسومًا جمركية أساسية بنسبة 15٪ على معظم الصادرات الأوروبية إلى الولايات المتحدة، مع خفض الرسوم على العديد من المنتجات الصناعية الأمريكية إلى الصفر.
أداة مكافحة الإكراه (ACI): سلاح الاتحاد الأوروبي الكامن
أداة مكافحة الإكراه (ACI) تمثل آلية جديدة نسبياً لدى الاتحاد الأوروبي، تهدف إلى حماية مصالحه الاقتصادية من الضغوط الخارجية. تسمح هذه الأداة بتقييد تراخيص التجارة وإغلاق الوصول إلى السوق الموحدة للدول التي تلجأ إلى “الابتزاز الاقتصادي”.
يعتبر البعض هذه الأداة بمثابة “بازوكا” تجارية نظرًا لقوتها المحتملة، إلا أن الاتحاد الأوروبي يفضل استخدامها كملاذ أخير بعد استنفاد جميع الخيارات الدبلوماسية. الخوف من التصعيد التجاري المتبادل هو أحد الأسباب الرئيسية وراء التردد في تفعيل هذه الأداة.
الخلاف الحالي يتعلق بجرينلاند، حيث أعرب الرئيس ترامب عن اهتمامه بشراء الجزيرة. رفضت الدنمارك، التي تتمتع بسيادة كاملة على جرينلاند، هذا الاقتراح، مما أثار غضب الرئيس الأمريكي وتهديداته بفرض رسوم جمركية.
أكدت مصادر دبلوماسية أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أعربت عن تضامنها مع الدنمارك وجرينلاند، ودعمها لسيادتهما وسلامتهما الإقليمية. هذا الدعم يظهر أهمية الحفاظ على العلاقات الجيدة مع الدول الاسكندنافية، والتي تعتبر شريكًا تجاريًا هامًا للاتحاد الأوروبي.
بالتوازي مع ذلك، أعلن رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا عن عقد قمة استثنائية لقادة الاتحاد الأوروبي في “الأيام القادمة”، يُعتقد أنها ستعقد يوم الخميس 22 يناير. من المتوقع أن تركز القمة على مناقشة التهديدات التجارية الأمريكية والبحث عن استراتيجية موحدة للرد عليها.
الوضع الحالي يثير قلقًا بشأن مستقبل العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. التهديدات المتبادلة بالرسوم الجمركية قد تؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في كلا الجانبين، وتعطيل سلاسل التوريد العالمية.
بالإضافة إلى النزاع التجاري، هناك مخاوف بشأن التداعيات الجيوسياسية لهذا الخلاف. قد يؤدي التصعيد التجاري إلى تدهور العلاقات الدبلوماسية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وتقويض التعاون في مجالات أخرى مثل مكافحة الإرهاب وتغير المناخ.
الخطر الأكبر يكمن في احتمال اندلاع حرب تجارية شاملة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وهو سيناريو قد يكون له عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي.
في المقابل، يراقب الاتحاد الأوروبي عن كثب التطورات في المفاوضات التجارية مع دول أخرى، مثل الصين وكندا، بهدف تنويع علاقاته التجارية وتقليل اعتماده على السوق الأمريكية.
من المقرر أن يتم اتخاذ قرار بشأن إعادة تفعيل الرسوم الجمركية المعلقة في وقت لاحق من هذا الشهر، بعد انتهاء الموعد النهائي الذي حدده الرئيس ترامب. سيعتمد هذا القرار على رد فعل الإدارة الأمريكية، ومدى استعدادها للدخول في حوار بناء مع الاتحاد الأوروبي.
يبقى مستقبل الاتفاق التجاري بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة معلقًا على نتائج هذه التطورات. من غير الواضح ما إذا كان الرئيس ترامب سيتراجع عن تهديداته، أو ما إذا كان الاتحاد الأوروبي سيضطر إلى اللجوء إلى إجراءات انتقامية لحماية مصالحه الاقتصادية.

