حذر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك مؤخرًا من وجود تهديد حقيقي بخروج بولندا من الاتحاد الأوروبي، في ظل صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة والشعبوية في البلاد. وقد أثار هذا التحذير تساؤلات حول مستقبل عضوية بولندا في الاتحاد الأوروبي، وإمكانية حدوث ما يُعرف بـ “خروج بولندا من الاتحاد الأوروبي (Polexit)“.

أدلى توسك بهذه التصريحات بعد أن قام الرئيس كارول نافروكي، المنتمي سابقًا إلى حزب القانون والعدالة اليميني الشعبوي (PiS)، بإبطال تشريع يسمح لبولندا بالوصول إلى ما يقرب من 44 مليار يورو من قروض الدفاع الأوروبية كجزء من برنامجها SAFE – وهو ما يعتبره الكثيرون أحد التحولات الأخيرة نحو موقف معادٍ لأوروبا.

هل “خروج بولندا من الاتحاد الأوروبي” وشيك؟

ببساطة، لا يوجد حاليًا أي تحرك قانوني فوري لإخراج بولندا من الاتحاد الأوروبي. وكما نعلم من تجربة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (Brexit)، يجب على أي دولة عضو ترغب في المغادرة القيام بذلك عن طريق تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة – ولم تفعل بولندا ذلك حتى الآن.

في الواقع، كان توسك نفسه هو من تسلم خطاب بريطانيا الذي يدعو إلى تفعيل المادة 50 عندما كان يشغل منصب رئيس المجلس الأوروبي في عام 2017. ومع ذلك، تحاول المعارضة اليمينية في بولندا عرقلة المزيد من التكامل الأوروبي وتحدي قانون الاتحاد الأوروبي.

يدعو نافروكي وحزب القانون والعدالة إلى “أوروبا الأمم”، حيث يظل الاتحاد الأوروبي كتلة تجارية لا تنتهك سيادة بولندا، بينما يتبنى حزب الكونفدرالية، وهو حزب يميني متطرف أصغر، موقفًا مناهضًا للاتحاد الأوروبي بشكل صريح وهو أكثر صراحة في رغبته في المغادرة. يشير بعض المحللين إلى إمكانية حدوث “خروج بولندا من الاتحاد الأوروبي قانونيًا”، حيث تبقى بولندا في الاتحاد الأوروبي ولكنها تتوقف عن الاعتراف بسلطة قانون الاتحاد الأوروبي.

مثال كبير على ذلك هو حكم “الأسبقية” الصادر عام 2021، حيث قضت المحكمة الدستورية البولندية بأن بعض قوانين الاتحاد الأوروبي غير دستورية وأن التشريع البولندي ذو الأسبقية. صدرت قرارات مماثلة تتحدى سلطة الاتحاد الأوروبي في السنوات التالية.

تأثيرات على السياسة الداخلية والخارجية

قد يؤدي أي تحرك نحو “خروج بولندا من الاتحاد الأوروبي” إلى توترات كبيرة مع الشركاء الأوروبيين، وربما يؤثر على العلاقات التجارية والاستثمارية. بالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي إلى تغييرات في السياسة الداخلية، حيث قد تسعى الحكومة إلى تعزيز سيطرتها على القطاعات الرئيسية في الاقتصاد.

هل يرغب البولنديون في المغادرة؟

على الرغم من وجود تقارير تشير إلى أن الرأي العام قد يتأرجح، إلا أن الاستطلاعات تميل إلى إظهار أن البولنديين لا يزالون يفضلون البقاء في الاتحاد الأوروبي. أظهرت دراسة حديثة أجراها المركز البولندي لبحوث الرأي العام أن 82٪ من المواطنين يدعمون عضوية الاتحاد الأوروبي، بينما يعارضها 14٪. هذه الأرقام لم تتغير تقريبًا عن العام الماضي.

ومع ذلك، ينقسم البولنديون حول مدى رغبتهم في أن تندمج بلدهم بشكل أعمق مع الاتحاد الأوروبي، حيث يريد 26٪ روابط أعمق و 23٪ يريدون المزيد من الاستقلالية. يفضل 32٪ أن تبقى الأمور على ما هي عليه. تشير الدراسة نفسها أيضًا إلى أن 62٪ من المواطنين البولنديين يعتقدون أن خروج بولندا من الاتحاد الأوروبي سيجلب المزيد من الخسائر أكثر من المكاسب، بينما يقول 9٪ فقط أنه سيفيد البلاد بشكل عام.

تأتي تحذيرات توسك في سياق صراع سياسي متصاعد، ولكن يبدو أنه لا يوجد تفويض سياسي أو أغلبية برلمانية كافية للمغادرة. تعتبر قضية العلاقات مع الاتحاد الأوروبي (European relations) من القضايا الرئيسية التي تشغل الرأي العام البولندي.

بالإضافة إلى ذلك، فقد أظهرت التحقيقات أن العديد من مقاطع الفيديو المنتشرة على تطبيق TikTok والتي تدعو إلى خروج بولندا من الاتحاد الأوروبي كانت تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، وتم فضحها من قبل مدققي الحقائق البولنديين. تهدف هذه المقاطع إلى استهداف الشباب وتأجيج المشاعر المناهضة للاتحاد الأوروبي.

في الختام، على الرغم من التحذيرات الأخيرة والتحديات السياسية، لا يوجد حاليًا أي مؤشر على أن بولندا تستعد للمغادرة الفورية للاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، فإن التطورات المستقبلية ستعتمد على نتائج الانتخابات القادمة، والتغيرات في الرأي العام، وقدرة الحكومة على التوصل إلى حلول وسط مع الشركاء الأوروبيين. من المتوقع أن تشهد الأشهر القادمة المزيد من النقاشات حول مستقبل بولندا في الاتحاد الأوروبي، مع التركيز على قضايا مثل السيادة الوطنية، والتكامل الاقتصادي، والأمن الإقليمي.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version