تواجه أوروبا مأزقًا دبلوماسيًا معقدًا، حيث تسعى إلى احتواء التوترات مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن قضية جرينلاند، بينما تتصاعد دعواته للدول حول العالم للانضمام إلى “مجلس السلام لغزة” الذي أنشأه. يثير هذا المجلس جدلاً واسعًا حول أهدافه الحقيقية وتأثيره المحتمل على جهود السلام الدولية، ويضع الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء أمام خيارات صعبة.
من المقرر أن يجتمع قادة الاتحاد الأوروبي في قمة استثنائية يوم الخميس لمناقشة ما إذا كان ينبغي عليهم الانضمام إلى هذا المجلس، الذي تأسس في الأصل لإدارة غزة ما بعد الحرب. يأتي هذا الاجتماع في وقت تشتد فيه التوترات التجارية بين الولايات المتحدة وأوروبا، مما يزيد من تعقيد الموقف. ويبلغ تكلفة العضوية الدائمة في المجلس مليار دولار أمريكي، يُفترض أنها ستذهب لإعادة إعمار غزة.
مجلس السلام لغزة: ضغوط أمريكية وتساؤلات أوروبية
قدمت إدارة ترامب دعوات للانضمام إلى المجلس لرئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، والعديد من الحكومات الأوروبية، بما في ذلك فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمجر. وقد أعلنت فرنسا بالفعل أنها لا تنوي الانضمام، معربة عن مخاوفها من أن ميثاق المجلس – الذي لا يشير إلى غزة على الإطلاق – يثير تساؤلات حول “مبادئ وهيكل الأمم المتحدة” ويمنح “صلاحيات واسعة” للرئيس ترامب، الذي يتولى رئاسة المجلس.
ردًا على ذلك، هدد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 200٪ على النبيذ والشمبانيا الفرنسية، في إشارة واضحة إلى أن هذه القضية قد تصبح نقطة خلاف جديدة في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وصرح وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو، خلال مؤتمر دافوس يوم الثلاثاء، بأن ترامب يسعى إلى “استبدال نظام الأمم المتحدة” بمجلسه “الشخصي”.
مخاوف بشأن ولاية المجلس وهيكله
يثير النطاق الواسع للصلاحيات التي يبدو أن ترامب يمنحها للمجلس، والافتقار الملحوظ للتركيز على غزة ومستقبلها، قلقًا متزايدًا في بروكسل. وقد أعرب مسؤولون ودبلوماسيون بشكل خاص عن مخاوفهم بشأن إطار عمل المجلس وعملية الاختيار وولاية المجلس وهيكل إدارته، مطالبين بعودته إلى التركيز على غزة بدلاً من إنشاء مجلس أمن بديل للأمم المتحدة.
على الرغم من تكليف لجنة فنية فلسطينية بقيادة الشؤون اليومية لغزة، إلا أن هناك مخاوف بشأن نقص التمثيل الفلسطيني في اللجنتين الرئيسيتين للمجلس، اللتين تشرفان على الاستثمار والدبلوماسية والحوكمة. ودعا المفوض الأوروبي لشؤون البحر الأبيض المتوسط، المسؤول عن سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه غزة، إلى “إدراج جميع أصحاب المصلحة الرئيسيين” في المجلس.
بالإضافة إلى ذلك، وسّع ترامب دعوته لتشمل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مما يجعل مشاركة أوروبا سياسيًا أكثر صعوبة. من المتوقع أن يثير هذا الجدل انقسامات قائمة بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بشأن القضايا المتعلقة بالسياسة الخارجية. وقد قبل رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان مقعده بالفعل، حيث قال وزير خارجيته بيتر سيجارتو إن رئيس الوزراء “يشعر بالشرف” لعرض ترامب.
سيشرف أعضاء المجلس على لجنة تنفيذية ستكون مسؤولة عن تنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام لغزة المكونة من 20 نقطة، والتي قدمها ترامب في سبتمبر الماضي. وتشمل هذه الخطة نشر قوة أمن دولية، ونزع سلاح حركة حماس، وإعادة إعمار الأراضي المدمرة.
تداعيات محتملة على العلاقات عبر الأطلسي
تعتبر قضية **مجلس السلام لغزة** بمثابة اختبار حقيقي للعلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة. فالضغط الأمريكي للانضمام إلى المجلس، في ظل الشروط الحالية، يضع الاتحاد الأوروبي في موقف صعب. فالقبول قد يثير غضب واشنطن، بينما الرفض قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد في التوترات التجارية.
تتزايد المخاوف من أن هذه القضية قد تؤدي إلى تفاقم الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي، حيث تتبنى بعض الدول مواقف أكثر تعاونًا مع الولايات المتحدة، بينما تفضل دول أخرى اتباع نهج أكثر استقلالية. كما أن غياب الشفافية حول أهداف المجلس الحقيقية وولاية المجلس يثير تساؤلات حول دوافع الإدارة الأمريكية.
تعتبر قضية **الاستثمار في غزة** جزءًا من هذه المعضلة، حيث يرى البعض أن العضوية في المجلس قد تكون وسيلة لضمان تدفق الأموال إلى القطاع، بينما يخشى آخرون من أن ذلك قد يكون مجرد أداة سياسية في يد ترامب.
من المتوقع أن تستمر المناقشات حول **السياسة الخارجية** في الاتحاد الأوروبي خلال قمة يوم الخميس، مع التركيز بشكل خاص على كيفية التعامل مع عرض ترامب. وستراقب الدول الأعضاء عن كثب ردود أفعال بعضها البعض، وستحاول تحديد موقف موحد يمكن أن يحمي مصالحها ويحافظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة.
من غير الواضح حتى الآن ما إذا كان الاتحاد الأوروبي سيتمكن من التوصل إلى اتفاق بشأن هذه القضية. ومع ذلك، من المؤكد أن هذه القضية ستظل على جدول الأعمال في الأسابيع والأشهر المقبلة، وستشكل تحديًا كبيرًا للسياسة الخارجية الأوروبية.

