يشهد الاتحاد الأوروبي تحولاً ملحوظاً في موقفه تجاه الولايات المتحدة، مدفوعاً بتصرفات غير متوقعة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بما في ذلك محاولات الاستحواذ على جرينلاند، ومخاوف بشأن خطط السلام في غزة، والتوترات التجارية المستمرة. هذا التحول يدفع الاتحاد الأوروبي نحو تعزيز استقلاليته الاقتصادية والسياسية، وتقليل اعتماده على واشنطن.

خلال اجتماع قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، لوحظت حالة من السخط المتزايد تجاه السياسات الأمريكية. على الرغم من الترحيب بتراجع ترامب عن تهديداته بفرض رسوم جمركية على جرينلاند، إلا أن الشكوك العميقة حول مستقبل العلاقات عبر الأطلسي كانت واضحة. وأكد أنطونيو كوستا، رئيس المجلس الأوروبي، على أهمية إدارة العلاقات بين الشركاء والحلفاء بطريقة ودية ومحترمة.

تزايد الدعوات إلى استقلالية الاتحاد الأوروبي

بعد سنوات من الحديث عن ضرورة تقليل اعتماد الاتحاد الأوروبي على الولايات المتحدة، يبدو أن هذا الواقع قد أصبح وشيكاً. صرحت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بأن الاتحاد الأوروبي يجب أن يعمل كأوروبا مستقلة، وأن يعزز “قوته الاقتصادية” ويُنوع سلاسل التوريد الخاصة به، وأن يصبح أكثر استقلالية عن الولايات المتحدة. وأضافت أن الاتحاد الأوروبي مستعد للرد بسرعة وحزم على أي تصعيد مفاجئ، مثل تلك التي شهدها هذا الأسبوع.

أظهرت ردود فعل القادة الأوروبيين قلقاً بالغاً بشأن محاولة الرئيس ترامب شراء جرينلاند. وصفت رئيسة الوزراء الدنماركية، ميتي فريدريكسن، الأمر بأنه “خط أحمر”، وأكدت على أن سيادة الجزيرة القطبية ليست قابلة للتفاوض. وكشفت صحيفة نيويورك تايمز عن أن المقترح قيد التفاوض بين الولايات المتحدة والدنمارك وجرينلاند يتضمن سيادة أمريكية على أجزاء من أراضي جرينلاند وحظر محتمل على التعدين للدول المنافسة مثل روسيا.

أعرب حلفاء الناتو عن استيائهم لعدم إطلاعهم على تفاصيل الصفقة المحتملة. وقال وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، إن الصفقة تمت بشكل ثنائي بين ترامب وأمين عام الناتو، مارك روته.

مخاوف بشأن “مجلس السلام” في غزة

أعرب قادة الاتحاد الأوروبي عن “شكوك جدية” بشأن “مجلس السلام” الذي اقترحه ترامب، بما في ذلك “توافقه” مع ميثاق الأمم المتحدة. ومع ذلك، أبدوا استعدادهم للعمل مع الولايات المتحدة بشأن خطة السلام لغزة. يخشى الاتحاد الأوروبي أن يتجاوز المجلس نطاق ولايته ويقوض سلطة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

كما أعرب القادة عن قلقهم من أن المجلس لا يعزز حل الدولتين، الذي يعتبره الاتحاد الأوروبي هو الطريق الوحيد لتحقيق سلام دائم في المنطقة. إن وجود الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في المجلس يجعل عضويته غير مقبولة لمعظم دول الاتحاد الأوروبي في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا. ومع ذلك، أبدت بعض الدول، مثل إيطاليا، استعدادها للتعاون مع المجلس لتجنب إغلاق الباب أمام أي فرصة للمساهمة في عملية السلام.

خطة “إطار الازدهار” لأوكرانيا

أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أن الاتحاد الأوروبي قريب من التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة بشأن “إطار الازدهار” لأوكرانيا، وهي خطة لتطوير وإعادة إعمار البلاد حتى عام 2040. وتستند الخطة إلى خمسة محاور رئيسية: زيادة الإنتاجية، وتسريع التكامل في السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي، وزيادة الاستثمار، وتحسين التنسيق بين المانحين، وتعزيز الإصلاحات الأساسية.

يقدر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي التكلفة الإجمالية لإعادة إعمار أوكرانيا بين 700 مليار و800 مليار يورو. ومن المتوقع أن يتم تنفيذ الخطة بعد التوصل إلى تسوية سلمية. تشير التقارير إلى أن المحادثات بين أوكرانيا والولايات المتحدة وروسيا تكتسب زخماً جديداً، حيث أعلن زيلينسكي عن محادثثات ثلاثية ستعقد في أبو ظبي خلال الأيام القادمة.

مفاوضات اتفاقية ميركوسور التجارية

لا تزال المفوضية الأوروبية تدرس ما إذا كانت ستطبق بشكل مؤقت اتفاقية التجارة الحرة مع مجموعة ميركوسور اللاتينية، بعد موافقة الدول الأعضاء على الاتفاقية. ومع ذلك، يواجه الاتفاق تحديات قانونية، حيث صوت البرلمان الأوروبي على إحالته إلى محكمة العدل الأوروبية، مما قد يعرقل عملية التصديق. يرى مؤيدو الاتفاقية أنها ضرورية لتأمين الوصول إلى أسواق جديدة وتعزيز التحالفات في ظل الظروف الجيوسياسية المتغيرة.

من المتوقع أن تتخذ المفوضية الأوروبية قراراً بشأن التطبيق المؤقت للاتفاقية بمجرد أن تكتمل عمليات التصديق من جانب دول ميركوسور. ومع ذلك، قد يؤدي هذا القرار إلى تصعيد التوترات مع البرلمان الأوروبي، الذي يعارض الاتفاقية بشدة.

في الختام، يواجه الاتحاد الأوروبي تحديات كبيرة في علاقاته مع الولايات المتحدة، ويتجه نحو تعزيز استقلاليته. من المتوقع أن تشهد الأسابيع القادمة مزيداً من المناقشات حول خطط السلام في غزة، وإطار الازدهار لأوكرانيا، واتفاقية ميركوسور التجارية. سيتعين على الاتحاد الأوروبي أن يوازن بين الحفاظ على علاقاته مع الولايات المتحدة وبين حماية مصالحه الخاصة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version