تتصاعد الأزمة المتعلقة بالجرينلاند، الإقليم التابع ذاتيًا لدنماركا، مع إصرار الرئيس الأمريكي على نيته الاستحواذ عليها. وقد كثفت الاتحاد الأوروبي جهوده الدبلوماسية لدعم الجرينلاند في مواجهة هذه التهديدات، حيث حثت كاجا كالاس، رئيسة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، الدول الأعضاء على الاتحاد على تقديم دعم قوي للإقليم. وتأتي هذه التحركات في ظل مخاوف متزايدة بشأن مستقبل التحالفات الأمنية، وخاصة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في حال اتخاذ الولايات المتحدة إجراءً أحادي الجانب.
عقدت كاجا كالاس اجتماعًا مغلقًا مع قادة الفرق السياسية في البرلمان الأوروبي يوم الأربعاء، وحذرت من مغبة مناقشة احتمال “نهاية الناتو” في حال لجأت الولايات المتحدة إلى القوة للاستيلاء على الجرينلاند، وذلك وفقًا لما أفاد به مراسل البرلمان الأوروبي، فينتشينزو جينوفيزي. وأشارت كالاس إلى أن مثل هذه المناقشات قد تعزز الروايات المعادية التي يروج لها نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، المعروف بعدائه تجاه الحلفاء الأوروبيين.
أزمة الجرينلاند وتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي
فشلت محادثات الدنمارك مع الإدارة الأمريكية في إقناع الرئيس ترامب بالتراجع عن رغبته في الاستحواذ على الجرينلاند. صرح وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن بعد محادثات “صريحة” مع مسؤولين في البيت الأبيض، بما في ذلك نائب الرئيس فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، بأن “الخلافات الأساسية” لا تزال قائمة. وأكد راسموسن أن الرئيس ترامب لا يزال مصممًا على “الاستيلاء” على الجرينلاند.
ورفض راسموسن ادعاءات ترامب بأن الجرينلاند ستشهد انتشارًا عسكريًا صينيًا في حال عدم سيطرة الولايات المتحدة عليها، لكنه أشار إلى أن المحادثات المباشرة ساهمت في تهدئة التوترات. ومع ذلك، يبدو أن موقف ترامب لم يتغير بشكل كبير. فقد صرح الرئيس الأمريكي بأن الدنمارك “لا تستطيع فعل أي شيء” إذا قررت روسيا أو الصين احتلال الجرينلاند، بينما “يمكننا نحن (الولايات المتحدة) فعل كل شيء”.
وقد أعلنت عدد من الدول الأوروبية، بما في ذلك فرنسا وألمانيا والسويد، عن إرسال قوات عسكرية إلى الجرينلاند لتعزيز الوجود العسكري الدنماركي في المنطقة. وأكدت الحكومة الألمانية أن هذه المهمة تهدف إلى “استكشاف الشروط المسبقة للمساهمات العسكرية المحتملة لدعم الدنمارك في ضمان الأمن في المنطقة”.
في الوقت نفسه، أدان البرلمان الأوروبي بشدة تصريحات ترامب بشأن الجرينلاند، داعيًا إلى تقديم “دعم ملموس وفعلي” للجرينلاند والدنمارك. وتأتي هذه التطورات في ظل تزايد المخاوف بشأن مستقبل العلاقات عبر الأطلسي، وتأثيرها على الأمن والاستقرار الإقليمي.
التهديدات الإيرانية وتأثيرها على المشهد الجيوسياسي
بالتزامن مع أزمة الجرينلاند، تشهد المنطقة توترات متزايدة بسبب التهديدات الإيرانية. وبعد حالة تأهب قصوى ليلة الأربعاء تحسبًا لضربة أمريكية محتملة على إيران، خفف الرئيس ترامب من لهجته، مدعيًا أن عمليات قتل المتظاهرين قد توقفت، دون تقديم أي دليل على ذلك. وأشار ترامب إلى أن “مصادر مهمة من الجانب الآخر” أكدت له عدم تنفيذ عمليات إعدام مخططة.
في المقابل، نفى وزير الخارجية الإيراني عباس آراغشي وجود أي خطط لإعدام المتظاهرين في مقابلة مع قناة فوكس نيوز. ومع ذلك، لا تزال المنطقة على أهبة الاستعداد، حيث طُلب من العاملين في القواعد العسكرية الأمريكية، بما في ذلك قاعدة العديد الاستراتيجية في قطر، الإخلاء أو اتخاذ الاحتياطات اللازمة. كما أن الجيش الإيراني لا يزال في حالة تأهب قصوى.
صرح جون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق للرئيس ترامب، في مقابلة مع قناة يورونيوز، بأنه يعتقد أن الولايات المتحدة ستختار شن ضربات مستهدفة على المواقع العسكرية والنووية الإيرانية، مشيرًا إلى أن ذلك قد يؤدي إلى زعزعة استقرار النظام. وأضاف بولتون أن مثل هذه الخطوة قد تشجع المعارضة الإيرانية وتظهر للعالم أن الولايات المتحدة تراقب الوضع عن كثب.
تشير التقديرات إلى أن عدد القتلى في إيران يقترب من 3500 شخص، وفقًا لمنظمة إيران لحقوق الإنسان (IHR) التي تتخذ من النرويج مقرًا لها. وقد أدانت دول مجموعة السبع (G7) العنف في إيران، داعية إلى الهدوء ومتعهدة باتخاذ “إجراءات تقييدية” إضافية في حال استمرار القمع.
الضغط يتزايد على الاتحاد الأوروبي لتصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية
أثار القمع العنيف للمتظاهرين في إيران جدلاً متجددًا داخل الاتحاد الأوروبي حول تصنيف فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية. ويقول دبلوماسيون في بروكسل إن دولًا مثل ألمانيا وهولندا ودول البلطيق تدفع باتجاه إحياء المفاوضات حول هذا الموضوع. ومع ذلك، لا تزال هناك خلافات حول الإجراءات القانونية والسياسية اللازمة لاتخاذ مثل هذا القرار.
ويشير البعض إلى أن حكمًا صادرًا عن محكمة إقليمية ألمانية في مارس 2024، والذي يربط بين هجوم على كنيس يهودي في بوخوم ووكالة إيرانية حكومية، قد يوفر أساسًا قانونيًا لاتخاذ إجراءات ضد الحرس الثوري الإيراني. ومع ذلك، لا تزال الاعتبارات السياسية تلعب دورًا مهمًا، حيث يتردد بعض الدبلوماسيين في قطع العلاقات مع طهران بشكل كامل بسبب مصالحهم الخاصة، مثل مصير مواطنيهم المعتقلين في إيران.
وأكد ديفيد ماكاليستر، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي، على ضرورة التوصل إلى توافق بين الدول الأعضاء الـ 27، مشيرًا إلى أن بعض الدول لديها “آراء مختلفة”.
وفي هذا السياق، تحدث أوليفر فانديكاستيل، عامل إغاثة إنساني بلجيكي كان محتجزًا في إيران، إلى قناة يورونيوز، داعيًا الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ إجراءات أكثر حزمًا، بما في ذلك قطع العلاقات الدبلوماسية مع الجمهورية الإسلامية. وأشار فانديكاستيل إلى أن “السيناريو يتكرر بإفلات من العقاب: قمع، انقطاع للاتصالات، قتل، اعتقالات جماعية، وإعدامات. يجب أن نغير التوجه”.
من المتوقع أن تتناول زيارة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى قبرص، والتي تبدأ اليوم، هذه القضايا وغيرها من التحديات الجيوسياسية التي تواجه الاتحاد الأوروبي. وستركز المناقشات على أربعة مجالات رئيسية، بما في ذلك الأمن والدفاع والسياسة الخارجية.
في الختام، تشهد الساحة الدولية تطورات متسارعة تتطلب من الاتحاد الأوروبي اتخاذ مواقف حاسمة. ومن المتوقع أن تشهد الأيام القادمة مزيدًا من التطورات بشأن أزمة الجرينلاند والتوترات مع إيران، بالإضافة إلى المناقشات الجارية حول العقوبات المحتملة على الحرس الثوري الإيراني. وسيكون من المهم مراقبة ردود أفعال الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وتأثير هذه التطورات على مستقبل العلاقات عبر الأطلسي والأمن الإقليمي.

