تواجه الدول الأوروبية معضلة دبلوماسية مع الولايات المتحدة، حيث تسعى جاهدة للحفاظ على علاقات جيدة مع الرئيس دونالد ترامب في ظل التهديدات المتزايدة بشأن قضايا مثل مستقبل جرينلاند، والأهم من ذلك، ضمان استمرار الدعم الأمريكي في الحرب بأوكرانيا. هذا التوازن الدقيق يضع أوروبا في موقف صعب، حيث يجب عليها الموازنة بين مصالحها الأمنية والسيادية.
أوروبا هي أكبر مانح مالي لأوكرانيا، لكنها تدرك تمامًا أن المقاومة الروسية لا يمكن أن تنجح بدون الأسلحة الأمريكية، وأن أي حل نهائي للصراع يتطلب مشاركة واشنطن في المفاوضات. وقد ترجم هذا الإدراك إلى تنازلات مؤلمة، مثل الرسوم الجمركية العقابية التي فرضها ترامب على البضائع الأوروبية.
الضغط على أوروبا بشأن أوكرانيا وجرينلاند
صرح المفوض الأوروبي للتجارة، ماروش شيفتشوفيتش، في يونيو الماضي بأن اتفاقية التجارة التي فرضت رسومًا جمركية بنسبة 15٪ على السلع الأوروبية ليست مجرد مسألة تجارية، بل تتعلق بالأمن وأوكرانيا والتقلبات الجيوسياسية الحالية. هذه العقلية الاستراتيجية نفسها تظهر الآن في قضية مستقبل جرينلاند.
مع تصاعد التهديدات من البيت الأبيض بالسيطرة على الجزيرة الشبه المستقلة، وحتى استخدام القوة العسكرية إذا لزم الأمر، تجد الدول الأوروبية نفسها على خط رفيع بين واجبها الأخلاقي في الدفاع عن وحدة الأراضي الدنماركية، وخوفها العميق من إغضاب ترامب.
لقد تجلى هذا الموقف المحفوف بالمخاطر في اجتماع “تحالف الإرادة” الذي عُقد في باريس هذا الأسبوع، والذي دعت إليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بهدف تعزيز الضمانات الأمنية لأوكرانيا.
كانت مشاركة ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهما المفاوضان الرئيسيان المعينان من قبل ترامب، لأول مرة شخصيًا، أمرًا لافتًا للنظر. وفي نهاية الاجتماع، أشاد ماكرون بـ “التقارب العملياتي” الذي تم تحقيقه بين أوروبا والولايات المتحدة بشأن السلام في أوكرانيا. وبدوره، أعرب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن تفاؤله بـ “التقدم الممتاز”.
التهديدات المتصاعدة وتأثيرها على السياسة الأوروبية
لكن سرعان ما ظهر “الفيل في الغرفة”. سأل أحد الصحفيين ماكرون عما إذا كانت أوروبا لا تزال تثق في أمريكا في ضوء التهديدات التي تتعرض لها جرينلاند.
رد ماكرون بسرعة، مؤكدًا على مشاركة الولايات المتحدة في الضمانات الأمنية، قائلاً: “ليس لدي أي سبب للشك في صدق هذا الالتزام”. وأضاف: “بصفتها طرفًا موقعًا على ميثاق الأمم المتحدة وعضوًا في حلف شمال الأطلسي، فإن الولايات المتحدة هنا كحليف لأوروبا، وقد عملت معنا جنبًا إلى جنب في الأسابيع الأخيرة”.
كما طُلب من ستارمر التعليق على قيمة صياغة الضمانات الأمنية لدولة في حالة حرب “في نفس اليوم” الذي تتحدث فيه واشنطن علنًا عن الاستيلاء على أراض من حليف سياسي.
واختار ستارمر، على غرار ماكرون، التركيز على الجوانب الإيجابية. وأشار إلى “العلاقة الوثيقة” بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة، خاصة في مجالات الدفاع والأمن والاستخبارات، مؤكدًا على التعاون المستمر بين البلدين. كما أشار بإيجاز إلى بيان صدر في وقت سابق من اليوم من قبل قادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا والمملكة المتحدة والدنمارك، يؤكد على حق جرينلاند في تقرير مصيرها.
أشار البيان بشكل غير مباشر إلى ضرورة احترام الولايات المتحدة “لمبادئ السيادة ووحدة الأراضي وعدم انتهاك الحدود” المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة – وهي نفس المبادئ التي تنتهكها موسكو في أوكرانيا. ولم يتضمن النص أي إدانة صريحة لمحاولة ضم جرينلاند بالقوة، ولا أي إجراءات انتقامية أوروبية محتملة.
واختتم البيان بالتأكيد على أن “جرينلاند تنتمي إلى شعبها، وأن الأمر متروك لدنماركا وجرينلاند وحدهما في اتخاذ القرارات المتعلقة بهما”.
صمت ملحوظ وتداعيات محتملة
يعكس هذا التردد في إدانة تصرفات الولايات المتحدة، الصمت الأوروبي الملحوظ بشأن التدخل الأمريكي في فنزويلا مؤخرًا، والذي أدى إلى الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو. وباستثناء إسبانيا، التي انتقدت التدخل بشكل صريح باعتباره انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، فضلت الدول الأوروبية التركيز على “الانتقال الديمقراطي” في فنزويلا بدلاً من إدانة التدخل نفسه.
يقر المسؤولون والدبلوماسيون، في الخفاء، بأن الدخول في صراع مع ترامب بشأن فنزويلا، وهي دولة ذات نظام حكم مستبد، كان سيكون غير منتج وغير مسؤول في ظل الجهود المبذولة لتعزيز الضمانات الأمنية لأوكرانيا.
ومع ذلك، يبدو أن هذا النهج الحذر محكوم عليه بالفشل عندما يتعلق الأمر بجرينلاند، وهي منطقة تابعة لدولة عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. وقد حذرت رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن من أن ضم جرينلاند بالقوة قد يؤدي إلى انهيار كامل للهيكل الأمني الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، والذي استندت إليه الدول الحليفة مرارًا وتكرارًا لمواجهة النزعات التوسعية للكرملين.
هناك قلق من أن السعي إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع ترامب بأي ثمن قد يؤدي إلى ثمن لا يُطاق.
يقول ماركوس زيينر، الباحث الرئيسي في صندوق مارشال الألماني: “من الواضح أن الأوروبيين في موقف ‘القيود المزدوجة’: نظرًا لحاجتهم الماسة إلى الدعم الأمريكي في أوكرانيا، فإن ردود أفعالهم على الإجراءات الأمريكية – سواء كانت تتعلق بفنزويلا أو تهديد ترامب بضم جرينلاند – ضعيفة أو حتى مكتومة”. ويضيف: “يخشى الأوروبيون من أن انتقاد ترامب قد يوفر له ذريعة للتوصل إلى اتفاق سلام على حساب أوكرانيا وأوروبا. هل يخلق هذا فجوة في المصداقية بالنسبة للاتحاد الأوروبي؟ بالطبع. ولكن في مواجهة رئيس أمريكي ذي توجهات براغماتية بحتة، لا يبدو أن هناك طريقة أخرى”.
من المتوقع أن تستمر المناقشات الدبلوماسية المكثفة بين أوروبا والولايات المتحدة في الأسابيع المقبلة، مع التركيز على إيجاد حل يرضي جميع الأطراف. ومع ذلك، يبقى مستقبل جرينلاند غير مؤكد، ويتوقف إلى حد كبير على التطورات السياسية في واشنطن. يجب مراقبة رد فعل الإدارة الأمريكية على البيان الأوروبي المشترك، وأي تحركات عسكرية محتملة في المنطقة، عن كثب.

