أثار الإجراء الذي اتخذته الولايات المتحدة مؤخرًا ضد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته صدى الأحداث التاريخية، وتحديدًا عملية الإطاحة بالديكتاتور البنمي مانويل نورييغا في عام 1989. وقد أعادت هذه الواقعة الأخيرة، والتي وصفتها إدارة ترامب بأنها “عملية الحل المطلق”، إلى الأذهان التدخلات الأمريكية السابقة في أمريكا اللاتينية، وأثارت تساؤلات حول مستقبل فنزويلا والعلاقات الإقليمية.

في الثالث من يناير، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن القبض على مادورو وزوجته ونقلهما خارج البلاد. يأتي هذا الإجراء بعد أشهر من الضربات العسكرية الأمريكية ضد سفن يُشتبه في ارتباطها بتهريب المخدرات عبر النظام الفنزويلي في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ الشرقي. وأكد ترامب أن الحكومة الأمريكية ستدير فنزويلا “حتى يتمكن من إجراء انتقال آمن وسليم وحكيم”.

العملية الفنزويلية ونظيرتها البنمية: أوجه التشابه والاختلاف

تذكر العملية الأخيرة بالعديد من جوانبها عملية “السبب العادل” التي قادتها الولايات المتحدة في بنما في ديسمبر عام 1989. كان الهدف المعلن للتدخل في بنما هو إقالة نورييغا، المتهم بالتعاون مع تجار المخدرات وتزوير الانتخابات الرئاسية. وقد اتُهم مادورو أيضًا بالفساد والتورط في أنشطة غير قانونية، بالإضافة إلى اتهامات بالتزوير في الانتخابات الأخيرة.

ومع ذلك، هناك اختلافات رئيسية. استمرت عملية القبض على نورييغا لعدة أسابيع، حيث لجأ إلى سفارة الفاتيكان في مدينة بنما. وتم إجباره على الاستسلام باستخدام الحرب النفسية، بما في ذلك بث الموسيقى الصاخبة بشكل مستمر. في المقابل، كانت عملية القبض على مادورو سريعة ومباشرة، وإن كانت مثيرة للجدل بسبب عدم وجود تفويض صريح من الكونجرس، على غرار ما حدث في بنما.

إرث نورييغا والنتائج المترتبة

في عام 1992، أُدين نورييغا بتهم تتعلق بتهريب المخدرات في محكمة فدرالية في ميامي، وحُكم عليه بالسجن لمدة 40 عامًا. حصل على معاملة خاصة أثناء سجنه، بما في ذلك الإقامة في منزل منفصل وارتداء زيه العسكري البنمي في المحكمة. بعد قضاء 17 عامًا في السجن الأمريكي، تم تسليمه إلى فرنسا ثم إلى بنما، وتوفي في عام 2017.

أدت عملية “السبب العادل” إلى مقتل 23 جنديًا أمريكيًا وإصابة 320 آخرين. ووفقًا لتقديرات البنتاغون، قُتل حوالي 200 مدني بنمى و 314 فردًا من الجيش البنمي. تُظهر هذه الأرقام التكلفة البشرية العالية للتدخلات العسكرية، وتعكس أهمية التخطيط الدقيق والاعتبارات الإنسانية في مثل هذه العمليات.

ردود الفعل الدولية وتداعيات القضية

أثار الإجراء الأمريكي ضد مادورو ردود فعل متباينة على الصعيد الدولي. انتقدت بعض الدول العملية باعتبارها انتهاكًا للسيادة الفنزويلية، في حين أعربت دول أخرى عن دعمها للجهود المبذولة لإعادة الديمقراطية إلى البلاد. وإلى جانب إدانة بكين للعملية، كان لقاء مادورو مع مبعوث صيني قبل ساعات من القبض عليه يثير تساؤلات حول الدعم الذي قد يحظى به النظام الفنزويلي. هذا التدخل يمثل تحديًا إضافيًا للعلاقات بين الولايات المتحدة والصين، خاصة في منطقة أمريكا اللاتينية.

بالإضافة إلى ذلك، سلطت القضية الضوء على دور عصابة TDA المدعومة من مادورو، والتي يُزعم أنها وسعت عملياتها إلى مدن أمريكية. ويشكل هذا التوسع محورًا رئيسيًا في لائحة الاتهام الموسعة التي أصدرتها وزارة العدل الأمريكية. وتشير هذه الاتهامات إلى عمق الفساد والجريمة المنظمة داخل النظام الفنزويلي. وربط ذلك بتهريب المخدرات كما في قضية نورييغا.

يُعتبر القرار الذي اتخذته صحيفة واشنطن بوست بالإشادة بعملية فنزويلا باعتبارها “نجاحًا تكتيكيًا لا جدال فيه” بمثابة اعتراف بالمهارة التي أظهرتها القوات الأمريكية. ومع ذلك، يبقى المستقبل السياسي لفنزويلا غير مؤكد.

من المتوقع أن تشكل الأيام والأسابيع القادمة مرحلة انتقالية حرجة في فنزويلا. يجب على الحكومة الأمريكية العمل مع الأطراف الفنزويلية المعنية لضمان انتقال سلمي وديمقراطي. وسيكون من الضروري معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، مثل الفساد وعدم الاستقرار الاقتصادي، من أجل بناء مستقبل مستدام للبلاد. كما يجب مراقبة ردود الفعل الإقليمية والدولية، وتقييم تأثير هذه العملية على العلاقات مع الدول الأخرى في المنطقة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version