شهدت بيئة عمل المجتمع المدني في كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا تدهوراً ملحوظاً، وفقاً لتقرير صادر عن “سيفيكوس” (CIVICUS)، التحالف العالمي للمنظمات والمدافعين عن المجتمع المدني. هذا التدهور في المجتمع المدني يثير مخاوف بشأن الحريات الأساسية في قلب أوروبا. خفض التقرير تصنيف هذه الدول الثلاث من “مضيق” إلى “معوق” – وهو ثالث أدنى تصنيف من بين خمس فئات ممكنة – مما يعكس قيوداً متزايدة على الحريات المدنية.
جاء في التقرير السنوي، الذي يتتبع حالة حرية التجمع السلمي والتعبير في 198 دولة وإقليماً، أن هذا التراجع يعكس اتجاهاً مقلقاً في بعض أكبر الديمقراطيات الأوروبية. ويضع هذا التدهور ضغوطاً على المبادئ الديمقراطية والقيم التي لطالما تبنتها هذه الدول. تتضمن الانتهاكات الأكثر شيوعاً عبر أوروبا اعتقال المتظاهرين، وتعطيل المظاهرات، والهجمات على الصحفيين، واستخدام القوة المفرطة، والتشويه العلني.
تدهور أوضاع المجتمع المدني في فرنسا وألمانيا وإيطاليا
يأتي تدهور وضع المجتمع المدني في فرنسا نتيجة لتراكم القيود المتزايدة على الاحتجاجات السلمية وحرية التعبير، بالإضافة إلى سوء استخدام القوانين لحل المنظمات غير الحكومية وترهيب الناشطين في السنوات الأخيرة. وقد أثار هذا قلقاً بين حقوقيين محليين ودوليين. وفقاً لـ “سيفيكوس”، تظهر هذه الإجراءات نمطاً من القمع يحد من قدرة المواطنين على المشاركة الفعالة في الحياة العامة.
أما ألمانيا، فقد شهدت تدهوراً “بمعدل ينذر بالخطر” في مساحة الحريات المدنية، كما ذكر التقرير. ويعزى هذا التراجع إلى القمع الذي يمارس ضد المتظاهرين الذين يطالبون بالعدالة المناخية وحقوق المهاجرين ومعارضة تدابير التقشف. وتشير التقارير إلى أن السلطات الألمانية لجأت إلى تكتيكات قمعية، بما في ذلك اقتحام مواقع الاحتجاجات ومراقبة الطلاب الذين يبثون فعاليات مباشرة على الإنترنت.
في إيطاليا، أدى إقرار قوانين جديدة في عام 2023 إلى تفاقم الوضع بالنسبة للمجتمع المدني. تُدخل هذه القوانين عشرات الجرائم الجديدة، بما في ذلك عقوبات أشد على الاحتجاجات السلمية، مما يحد من حق المواطنين في التعبير عن آرائهم والمشاركة في التظاهرات. وقد أثار ذلك انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية.
تأثيرات أوسع نطاقاً في أوروبا
بالإضافة إلى هذه الدول الثلاث، شهدت جورجيا وصربيا أيضاً تراجعاً في تصنيفهما، حيث انتقلتا إلى فئة “مقمع” وهي ثاني أسوأ تقييم لمساحة الحريات المدنية. في المقابل، شهدت سويسرا تحولاً نحو فئة “مضيق”. تشير هذه التحولات إلى اتجاه أوسع نطاقاً يتمثل في تزايد القيود على حقوق الإنسان والمدافعين عنه في جميع أنحاء القارة.
صرحت تارا بتروفيتش، الباحثة في “سيفيكوس مونيتور” لأوروبا وآسيا الوسطى، بأنه “أصبح عدداً أقل بكثير من الناس في أوروبا قادرين على ممارسة الحريات الأساسية دون عوائق كبيرة، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى تشديد الرقابة على الاحتجاجات ومدافعي حقوق الإنسان في بعض أكبر الديمقراطيات الأوروبية”. ودعت بتروفيتش القادة الأوروبيين، وخاصة داخل الاتحاد الأوروبي، إلى التصدي لهذه الاتجاهات لضمان بقاء القارة في طليعة حماية الحقوق والمساحات المدنية.
هذا التدهور في الحريات المدنية يثير تساؤلات حول التزام الدول الأوروبية بالمعايير الديمقراطية وحقوق الإنسان. ويتطلب الأمر جهوداً متضافرة من الحكومات والمؤسسات المدنية لضمان حماية وتعزيز هذه الحريات الأساسية. هناك حاجة إلى تشريعات أكثر وضوحاً واحترافية من قبل الشرطة، وضمان وصول المراقبين المستقلين إلى أماكن الاحتجاج.
المنظمات غير الحكومية تتأثر بشكل خاص بهذه التغييرات، حيث تواجه قيوداً متزايدة على تمويلها وعملياتها. وهذا يقوض قدرتها على لعب دورها الحيوي في مساءلة الحكومات والدفاع عن حقوق المجتمعات المهمشة. التقارير تشير إلى أن هذه القيود تأتي في أعقاب موجة من الخطاب المعادي للمنظمات غير الحكومية في بعض الدول.
حرية التعبير هي أيضاً موضع قلق متزايد، حيث يتعرض الصحفيون والناشطون للتهديد والترهيب بسبب عملهم. أدت قوانين مكافحة الإرهاب والخطاب المتطرف إلى تقويض حرية التعبير في بعض الحالات، مما يسمح للحكومات بقمع المعارضة وتقييد النقاش العام. هناك حاجة إلى مراجعة هذه القوانين لضمان توافقها مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
بالإضافة إلى ذلك، يشير التقرير إلى أن جائحة كوفيد-19 قد أدت إلى تفاقم بعض هذه الاتجاهات، حيث استخدمت الحكومات تدابير الطوارئ الصحية للحد من الحريات المدنية. من المهم أن تضمن الحكومات أن أي قيود على الحريات الأساسية تكون ضرورية ومتناسبة، وأن تُرفع بمجرد انتهاء الجائحة. والأهم هو بناء المرونة المجتمعية لضمان قدرة المجتمع المدني على الاستمرار في العمل بفعالية في ظل الظروف الصعبة.
من المتوقع أن يستمر “سيفيكوس” في مراقبة الوضع في أوروبا وأن يصدر تقريراً محدثاً في العام المقبل. سيقدم التقرير القادم تحليلاً أعمق للاتجاهات الناشئة والتحديات التي تواجه المجتمع المدني في المنطقة. من المهم متابعة هذه التطورات وتقييم تأثيرها على الديمقراطية وحقوق الإنسان في أوروبا.

