في الأقصر، إذ تختلط الأساطير القديمة بحياة الناس اليومية، ما زال صوت “العدودة” حاضرًا في وداع الراحلين.
هذا التراث الشفاهي الذي تتقنه النساء، يتحول في الجنازات إلى كلمات مرتجلة تشبه الشعر الشعبي، ينساب معها الحزن وتنعكس فيها مكانة المتوفى بين أهله.
ويقول المؤرخ التاريخى والمفتش الاثري “ أحمد عبد الله الطاهر ” إن “ العدودة ” او “العديد” بلغة بلدنا ، يعد واحدًا من أهم الموروثات الثقافية لنساء الصعيد، إذ يُبنى على رثاء المتوفى بعبارات شعرية تتغنى بصفاته، وتقوم إحدى السيدات ببدء الإنشاد ثم تردد النساء خلفها. ويوضح أن هذه الطقوس ترتبط عادة بالعويل والصراخ، خاصة إذا كان المتوفى قريبًا من السيدة صاحبة العزاء أو كان رحيله في سن صغيرة.
كما يشير إلى أن مراسم العديد ارتبطت بحركات مصاحبة مثل رقصة “الحجلة”، بينما في الوجه البحري كانت توجد سيدات يُستأجرن للقيام بهذا الدور ويُعرفن بالندابة أو المعددة. ومن أمثلة ما يتردد في هذا الفلكلور الشعبي:
“يا قايلة قولي على الرجالة.. ما خربوا البيوت وعمروا الجبانة”
“ابوكي يا بت وابكي على ابوكي.. ما ينفعك عمك ولا اخوكي”وهناك أنواع من ” العدودة ” حيث تخلتف عدودة الرجل عن السيدة عن الشاب عن الأطفال.
العدودة في وداع الرجال
حين يرحل رجل من البيت، تتصاعد كلمات الوداع التي تصفه كالسند والحماية:
“يا سندي وضهري يا حامي العيال.. بعدك يا غالي كسر الجبال”
“يا عمود دارنا المايل.. وقع العمود ومالت الحيطان”
العدودة في وداع النساء
أما رحيل النساء، فيحمل في طياته مراثٍ تفيض بالحنين:
“يا نور البيت يا فرحة زمان.. بعدك يا أمي الدنيا دخان”
“يا حضن دافي يا زينة دارنا.. راحت معاك الحنية”
العدودة في وداع الشباب
رحيل الشباب يترك مرارة لا تحتمل، وتأتي الكلمات كأنها بكاء على عمر لم يكتمل:
“يا عمر ماكملش يا زينة شباب.. راح الحلم وانكسر الباب”
“يا عريس ما لبسش توب فرحه.. كفنك يا غالي غطى جرحه”
العدودة في وداع الأطفال
أما الأطفال، فوداعهم يختلط فيه البكاء بالدهشة، وكأن الأرواح الصغيرة لم تُعطَ فرصة للعيش:
“يا ضحكة بدري راحت في يوم.. يا وردة صغنونة خطفها النوم”
“يا ملاك نازل من سما.. رجعت بسرعة لربك وما دفيت دنيتنا”
العدودة.. ذاكرة حيّة
رغم أن الأقصر اليوم وجهة عالمية للسياحة، فإن قرى المحافظة ما زالت تتمسك بالعدودة كجزء من وجدانها. فهي ليست مجرد كلمات تُقال في العزاء، بل لغة وجدانية تحفظ للراحلين مكانتهم وتبقي حضورهم في قلوب من بقوا.