دأبت السلطة الفلسطينية لسنوات على تقديم دعم مالي لأسر الفلسطينيين المتضررين من الصراع مع إسرائيل، بمن فيهم الأسرى وعائلات القتلى والجرحى. ومع تزايد الضغوط الدولية، وخاصة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بدأت السلطة في إجراء تغييرات جذرية على هذا النظام، مما أثار احتجاجات واسعة النطاق في الضفة الغربية. هذا التحول يمثل إعادة هيكلة كبيرة للعقد الاجتماعي الفلسطيني، ويثير تساؤلات حول مستقبل الدعم المقدم للأسر المتضررة.

أعلنت السلطة الفلسطينية عن نيتها تعديل نظام الدعم منذ فترة طويلة، لكن التطبيق الفعلي بدأ قبل شهرين فقط. وقد أثار هذا القرار ردود فعل متباينة، حيث تعبر بعض العائلات عن غضبها وخيبة أملها، بينما ترى إسرائيل في هذه الخطوة محاولة لتقويض الحوافز المالية التي تدعم ما تسميه “الإرهاب”.

إيقاف مدفوعات الأسرى في فلسطين: خلفيات وتداعيات

لطالما اعتبرت إسرائيل سياسة السلطة الفلسطينية في تقديم الدعم المالي للأسرى وعائلاتهم بمثابة تشجيع على العنف. وتؤكد أن هذه المدفوعات، التي قد تكون كبيرة خاصة في حالات الأحكام بالسجن المؤبد، تشكل حافزاً للأفراد للانخراط في أنشطة معادية لإسرائيل. وقد كانت هذه القضية نقطة خلاف رئيسية في العلاقات بين الطرفين، وأحد المطالب المتكررة من قبل إسرائيل.

وفقًا لهيئة شؤون الأسرى والمحررين، تم تعليق المدفوعات بالفعل، مما أثر بشكل مباشر على حياة العديد من العائلات الفلسطينية. ياسمين أبو لطيفة، أرملة تبلغ من العمر 27 عامًا، مثال على ذلك، حيث فقدت راتبها الشهري البالغ 2000 شيكل (حوالي 625 دولارًا أمريكيًا) في نوفمبر الماضي، مما جعلها تواجه صعوبات كبيرة في توفير الاحتياجات الأساسية لعائلتها.

الضغوط الدولية وخطة ترمب

لم يكن قرار السلطة الفلسطينية مفاجئًا، حيث جاء استجابة للضغوط الدولية المتزايدة. وقد شكل هذا المطلب جزءًا من خطة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب للسلام، والتي تضمنت 20 بندًا تهدف إلى إنهاء الصراع بين إسرائيل وحماس. وافق الطرفان على هذه الخطة في أكتوبر الماضي، وشملت مقترحًا بإدارة غزة من قبل لجنة تكنوقراطية غير سياسية حتى تنجز السلطة الفلسطينية برنامجها الإصلاحي.

بدأ الرئيس الفلسطيني محمود عباس في تنفيذ خططه لتعديل نظام الإعانات، وتحويله إلى نظام قائم على الحاجة المالية بدلاً من الارتباط المباشر بالنشاط السياسي أو الأمني. ومع ذلك، فإن هذا التحول لم يخلُ من الانتقادات والتحديات.

انتقادات حادة وتغيير في معايير الأهلية

واجه قرار السلطة الفلسطينية انتقادات حادة من مختلف الأطراف. تتهم بعض العائلات الفلسطينية القيادة بتفضيل مطالب إسرائيل على رفاهية شعبها، وتعتبر فقدان الدخل المفاجئ بمثابة خيانة للقيم الوطنية. وقد أدى ذلك إلى زيادة الإحباط والغضب تجاه السلطة الفلسطينية، خاصة في المجتمعات التي تعتبر الأسرى رموزًا وطنية.

في المقابل، ترى إسرائيل أن هذه الخطوة تمثل بداية إيجابية، لكنها لا تزال غير كافية. فقد نشرت وزارة الخارجية الإسرائيلية على منصة “X” (تويتر سابقًا) انتقادًا للسياسة الجديدة، واصفة إياها بأنها “دفع مقابل القتل” وأنها تغذي الإرهاب.

نظام الرعاية الاجتماعية الجديد

يتضمن النظام الجديد للرعاية الاجتماعية معايير أهلية أكثر صرامة. يتعين على كل عائلة تسعى للحصول على الدعم ملء استمارات مفصلة بشأن ممتلكاتها ودخلها. لم يكن الوضع المالي للعائلة عاملاً في تحديد الأهلية في السابق، حتى لو كان أحد أفرادها أسيرًا أو شهيدًا. الآن، يتم تحويل جميع المدفوعات عبر هيئات الرعاية الاجتماعية، ويتم تصنيف المستفيدين كمستحقين للمساعدات الاجتماعية.

تشير استطلاعات الرأي التي أجراها الباحث خليل الشقاقي إلى أن الفلسطينيين ينظرون إلى هذا الإصلاح كجزء من أزمة أوسع نطاقًا تتعلق بشرعية السلطة الفلسطينية. ويعارض ثلثا الجمهور هذا التغيير، مما يزيد من احتمالية اندلاع المزيد من الاحتجاجات إذا لم يتم التراجع عنه.

تواصل إسرائيل حجب حوالي 4 مليارات شيكل (1.25 مليار دولار) من عائدات الضرائب المخصصة لهذا البرنامج والتي جمعتها لصالح السلطة الفلسطينية منذ عام 2019، مستندةً إلى هذه المدفوعات كمبرر. هذا الحجب المستمر يعمق الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية.

من المتوقع أن تستمر السلطة الفلسطينية في جهودها لتنفيذ الإصلاحات المطلوبة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، مع مواجهة تحديات كبيرة من الداخل. من المرجح أن تشهد الأيام والأسابيع القادمة المزيد من الاحتجاجات والضغوط على السلطة الفلسطينية، بينما تواصل إسرائيل مراقبة الوضع عن كثب. يبقى مستقبل الدعم المقدم للأسر المتضررة غير واضح، ويتوقف على التطورات السياسية والأمنية في المنطقة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version