Published On 31/8/2025
|
آخر تحديث: 15:57 (توقيت مكة)
حذر الكاتب والمحلل الإسرائيلي بن درور يميني، في مقال نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت، من خطورة التدهور المتسارع في صورة إسرائيل على الساحة الدولية، ولا سيما في الولايات المتحدة، إذ أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة تحولات عميقة تعكس تراجع الدعم الشعبي والرسمي لها.
ويؤكد يميني أن هذا التراجع لم يعد مجرد “تقدير دبلوماسي متشائم”، بل بات يمثل “خطرا إستراتيجيا وجوديا”، خاصة إذا مضت الحكومة الإسرائيلية نحو التوغل في مدينة غزة.
وأشار إلى أن إسرائيل تمر بمرحلة غير مسبوقة من الانحدار في صورتها أمام الرأي العام الأميركي، وباتت النظرة السلبية تجاهها منتشرة على نطاق واسع، وبلغت مستويات وصفتها بعض الاستطلاعات بأنها “الأسوأ منذ عقود”. وأوضح أن مؤتمر الحزب الديمقراطي الأخير في الولايات المتحدة شكّل محطة فارقة، بعدما تراجع عن مشروع قرار يؤيد حل الدولتين.
وبحسب الكاتب، فإن هذا التراجع لم يكن موجها ضد الفلسطينيين، بل العكس، إذ اعتُبر في بعض الأوساط مكافأة لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، خاصة أنه جاء في ظل صعود التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، ولا سيما بين أوساط الشباب الذين يرفضون أي تسوية تشمل حتى الاعتراف بإسرائيل.
ويرى الكاتب أن ما كان يُخشى منه بدأ يتحقق، إذ تحولت الشعارات التي كانت تسمع في الجامعات الأميركية، مثل “من النهر إلى البحر”، إلى مواقف سياسية عملية داخل الحزب الديمقراطي. وأضاف أن الاعتقاد السائد في إسرائيل بأن الشباب الأميركيين سيتجاوزون مع مرور الوقت تأثير ما سماه “غسيل الدماغ” المناهض لإسرائيل في الجامعات كان وهما.
وأشار إلى أن هؤلاء الشباب باتوا اليوم جزءا من صناعة القرار السياسي، ويمارسون داخل الحزب الديمقراطي ما كانوا يمارسونه سابقا في الأوساط الأكاديمية. وهنا طرح يميني أسئلة عميقة “هل يفكر أحد في إسرائيل في التداعيات بعيدة المدى لهذا التغيير؟ وماذا سيحدث عندما يعود الديمقراطيون إلى البيت الأبيض بأغلبية قوية في الكونغرس؟”.
استطلاعات رأي صادمة
وفي المقابل، يرى يميني أن الحكومة الإسرائيلية تسهم في تعميق عزلتها الدولية، وضرب مثالا على ذلك بالاحتفال الذي أقامه حزب الليكود الأسبوع الماضي بمناسبة الإعلان عن إنشاء 17 مستوطنة جديدة في منطقة بنيامين بالضفة الغربية، وهو ما وصفه بأنه “هدية مجانية” لأعداء إسرائيل في الغرب.
كما اعتبر أن مجرد التصريحات حول التوسع الاستيطاني باتت كافية لزيادة الهوة مع الرأي العام الغربي وإضعاف حجج تل أبيب أمام حلفائها.
واستشهد يميني في هذا السياق باستطلاع أجرته جامعة كوينيبياك الأميركية في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أظهر أن 60% من الجمهور الأميركي يعارضون إرسال مساعدات عسكرية إضافية لإسرائيل، مقابل 32% فقط يؤيدون ذلك.
كما بين الاستطلاع أن 75% من الديمقراطيين و37% من الجمهوريين يعارضون تقديم هذه المساعدات، وهو ما يصفه الكاتب بأنه “أعلى مستوى من الرفض وأدنى مستوى من الدعم منذ بدء هذه الاستطلاعات”.
وقال الكاتب إن ما يزيد الأمر خطورة أن مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان، المعروف بصداقته لإسرائيل داخل إدارة الرئيس السابق جو بايدن، أعلن مؤخرا تأييده لفرض حظر على تصدير السلاح إليها، في مؤشر إضافي على عمق التغيير في المزاج السياسي الأميركي.
أما على مستوى المواقف الشعبية، فسلط يميني الضوء على الاستطلاعات التي أظهرت أن 50% من الأميركيين يعتقدون أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين، في حين رفض 35% فقط هذا الطرح. كما انخفضت نسبة التأييد لإسرائيل في أميركا إلى 36%، مقابل 37% يؤيدون الفلسطينيين، في انعكاس مباشر لما وصفه بـ”التحول التاريخي في الرأي العام الأميركي”.
وحذر من أن ما كان يبدو في السابق مجرد شعارات تصدر من الحرم الجامعي أصبحت اليوم مواقف سياسية مؤثرة داخل الحزب الديمقراطي، بل ويمتد الأمر حتى إلى جزء من قواعد الحزب الجمهوري، إذ أظهر الاستطلاع أن أكثر من ثلث الجمهوريين يتبنون وجهات نظر مشابهة لتلك التي يحملها الجناح التقدمي المناهض لإسرائيل في الحزب الديمقراطي.
العالم كله ضدنا
وفي ختام مقاله، ركز يميني على المخاطر الإستراتيجية لقرار الحكومة الإسرائيلية المضي في عدوان عسكري جديد داخل مدينة غزة، مؤكدا أن التغيرات المتسارعة في الرأي العام الأميركي والغربي تعني أن أي خطوة بهذا الاتجاه ستضاعف من عزلة إسرائيل وتزيد من المخاطر الدبلوماسية والسياسية التي تواجهها.
وأكد أن إسرائيل عاشت في الماضي على أوهام عديدة، لكن لا مجال اليوم لوهم جديد يقوم على الاعتقاد بأن الرأي العام الأميركي لن يؤثر في سياسات قادة المستقبل، سواء كان الرئيس دونالد ترامب أو أي رئيس ديمقراطي قادم.
واختتم مقاله بالقول: “العالم كله أصبح ضدنا”، مضيفا أنه على الرغم من أن إسرائيل لديها حجج قوية ضد ما يصفه بـ”دعاية حماس”، فإنها لا تستطيع تجاهل الحقائق الجديدة.
وعلى الرغم من أنه يحاول تخفيف حدة الأمر على إسرائيل بالإشارة إلى الموقف الذي اتخذته الدول الأوروبية الكبرى (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا) تجاه إيران، والتي هددت طهران في الأسابيع الأخيرة بإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة عليها إذا رفضت العودة إلى المفاوضات، فإنه يكرر أن هذه الخطوة تمثل “مكسبا مؤقتا” لإسرائيل في مواجهة التهديد الإيراني، ولكنها لا تعوض عن التدهور الخطير في مكانتها السياسية والأخلاقية في الغرب.