أعلنت الاتحاد الأوروبي عن تفعيل برنامج الاتصالات الساتلية الحكومية (GOVSATCOM)، وهو خطوة أولى نحو تحقيق استقلالية أكبر في مجال الاتصالات الفضائية، وذلك في ظل تزايد التحديات الجيوسياسية. يأتي هذا البرنامج كمرحلة تمهيدية لمشروع أوسع نطاقًا وأكثر طموحًا، وهو نظام IRIS² الذي يهدف إلى إنشاء كوكبة فضائية متعددة المدارات تضم 290 قمرًا صناعيًا. ويهدف الاتحاد الأوروبي من خلال هذه الخطوات إلى تعزيز قدراته الدفاعية والأمنية في الفضاء.
أكد المفوض الأوروبي لشؤون الدفاع والفضاء، أندريوس كوبيليوس، في تصريحات لـ Euronews أن نظام IRIS² لن يكون جاهزًا للعمل بشكل كامل إلا “حوالي عام 2029”. ولتفادي وجود فراغ في القدرات خلال السنوات القادمة، خصوصًا مع تصاعد التهديدات الجيوسياسية، تم تطوير برنامج GOVSATCOM لتوفير قدرات اتصال ساتلي آمنة بشكل أولي.
أهمية الاستقلالية في الاتصالات الساتلية
يشدد كوبيليوس على ضرورة تبني الاتحاد الأوروبي نهجًا “عقلانيًا” فيما يتعلق بالاعتماد على الولايات المتحدة في مجالات الدفاع والأمن، سواء على الأرض أو في الفضاء. وأشار إلى أن الإعلان الأخير عن الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية يوضح بوضوح أن أولويتها ستكون منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وشبه الكرة الغربية.
وأضاف كوبيليوس أن واشنطن من المرجح أن تطلب من الأوروبيين تحمل المزيد من المسؤولية عن دفاعهم لتقليل وجودها في أوروبا وتعزيزه في المناطق ذات الأولوية. ووفقًا له، فإن القضية الأكبر التي تواجه الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بالاعتماد على الخارج هي ما يسمى بـ “الممكنات الاستراتيجية”، والتي توفرها الولايات المتحدة إلى حد كبير.
تحديات القدرات الدفاعية الأوروبية
ويشمل ذلك خدمات الفضاء، بالإضافة إلى الخدمات المادية مثل التزويد بالوقود الجوي وقدرات النقل الجوي الثقيل. لذلك، يعتبر توفير هذه القدرات من قبل الاتحاد الأوروبي نفسه أمرًا بالغ الأهمية وملحًا. على الرغم من أن نظام IRIS² سيكون أفضل من Starlink، إلا أن الاتحاد الأوروبي لم يصل إلى هذه المرحلة بعد.
وفي هذا السياق، يمثل برنامج GOVSATCOM خطوة أولى في هذا الاتجاه، على الرغم من أن جودة وحجم الخدمة التي يقدمها أقل من تلك المتوقعة من IRIS². ومع ذلك، يعتبر هذا البرنامج بمثابة تقدم نحو تحقيق استقلالية أكبر في مجال الاتصالات الساتلية.
أشار كوبيليوس إلى أن الاتحاد الأوروبي حاليًا غير قادر على استبدال الولايات المتحدة في العديد من المجالات المتعلقة بالدفاع، بدءًا من المظلة النووية وصولًا إلى القوات البرية. ويوجد حاليًا ما يصل إلى 100 ألف جندي أمريكي متمركزين في أوروبا، يلعبون دورًا “حاسمًا” وقادرين على التحرك بسرعة في جميع أنحاء القارة.
يصف الخبراء هذه القوات بأنها “القوة العسكرية الأساسية” في أوروبا، والسؤال المطروح هو كيفية استبدال هذه القدرة. في المقابل، يمتلك الاتحاد الأوروبي 27 جيشًا منفصلاً، ووصفها الدبلوماسي الأوروبي السابق جوزيب بوريل بأنها “جيوش بونساي”؛ أي أنها “جميلة ومكلفة ولكنها صغيرة”.
ويتساءل كوبيليوس عما إذا كان الاتحاد الأوروبي قادرًا على استبدال القوات الأمريكية المدربة جيدًا والمترابطة بجيش أوروبي موحد، وهل سيكون لهذا الجيش نفس التأثير. كما أشار إلى أن هذه القوات سيتعين عليها مواجهة روسيا، التي وصفها بأنها “أكبر تهديد تقليدي للأمن الأوروبي”.
وأضاف أن روسيا، في حالة شن عدوان على أي من دول الاتحاد الأوروبي، ستأتي بقوة عسكرية خاضعة لاختبارات قاسية، بينما لا يمتلك الاتحاد الأوروبي مثل هذه الخبرة. واستثنى أوكرانيا، مشيرًا إلى أن الجيش الأوكراني هو الوحيد الذي يمتلك هذه الخبرة في الوقت الحالي. لذلك، يرى كوبيليوس أن السؤال لا يتعلق فقط بكيفية بناء القدرات وزيادة الإنفاق على الدفاع، بل أيضًا بكيفية دمج القدرات الأوكرانية القتالية مع القدرات الأوروبية.
تعتبر الاستثمارات في البنية التحتية الفضائية، مثل GOVSATCOM وIRIS²، جزءًا من جهود أوسع لتعزيز السيادة التكنولوجية الأوروبية وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية، خاصة في المجالات الحساسة مثل الدفاع والأمن. كما أنها تعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية الفضاء كساحة عمليات حيوية.
من المتوقع أن يشهد برنامج IRIS² مزيدًا من التطوير والتمويل في السنوات القادمة، مع التركيز على ضمان قدرته على توفير خدمات اتصالات آمنة وموثوقة لجميع دول الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات كبيرة، بما في ذلك التنسيق بين الدول الأعضاء وضمان التوافق مع الأنظمة الفضائية الأخرى. سيراقب المراقبون عن كثب التقدم المحرز في تنفيذ IRIS²، بالإضافة إلى التطورات في الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية وتأثيرها على الأمن الأوروبي.

