أعلنت وزارة الخارجية الأميركية في أغسطس 2026 فرض عقوبات على رئيسة المحكمة ورجل قانون بارز، في تصعيد مباشر ضد المحكمة الجنائية الدولية. وقالت واشنطن إن الإجراءات تستهدف تقييد قدرة المحققين على متابعة مسؤولين من دول لم تمنح المحكمة ولاية، في خطوة تهدف إلى حماية مواطنين أميركيين وحلفاء مثل إسرائيل.
الخطوة، التي أعلنها وزير الخارجية ماركو روبيو، تأتي في إطار تنفيذ أمر تنفيذي أصدره الرئيس السابق دونالد ترامب في فبراير 2025، وتستهدف توجيه ضربات مالية وحظر التعاملات مع شخصين من كبار مسؤولي المحكمة، بحسب بيان وزارة الخارجية.
المحكمة الجنائية الدولية: تفاصيل العقوبات وما الذي تغير
أوضحت واشنطن أن العقوبات طالت توكو أكاني، رئيسة المحكمة من اليابان، وعبدولاي سيي، كبير محامي التجارب من السنغال، وتؤدي إلى تجميد أصولهما داخل الولايات المتحدة وقيود على العمليات المالية مع الأميركيين. ومع ذلك، قالت المحكمة إن هذه الإجراءات تقوّض سيادة القانون وتعرض استقلال المؤسسة القضائية للخطر، وفق بيان صادر عنها.
الإدارة الأميركية تقول إن إطار العمل الذي استندت إليه مبني على أمر تنفيذي يسمح باتخاذ تدابير لحماية سيادة الدول ومواطنيها من ملاحقات قضائية تعتبرها مفرطة أو خارجة عن نطاق ولاية المحكمة. وفي المقابل، تؤكد المحكمة أن ولايتها تمتد عندما تُرتكب جرائم داخل أراضي دول أعضاء.
كيف تؤثر العقوبات على عمل المحكمة
العقوبات المالية يمكن أن تعرقل تحرك القضاة والمدعين والموظفين في إجراءات تتطلب تواصلاً دولياً وتدفقات مالية. ومع ذلك، من غير الواضح على الفور ما إذا كانت هذه الإجراءات ستوقف تحقيقات قائمة أو تؤخر مذكرات توقيف، بحسب خبراء قانونيين استشارتهم تقارير صحفية.
بالإضافة إلى ذلك، تقول مصادر دبلوماسية إن العقوبات قد تزيد من عزلة واشنطن على الصعيد القانوني الدولي، لكنها قد تحظى بدعم سياسي من دول ترى في تحركات المحكمة تهديداً لسيادتها. ولا تزال ردود الفعل متفاوتة بين حلفاء الولايات المتحدة والدول الأعضاء في المحكمة.
خلفية النزاع وادعاءات الولاية القضائية
المحكمة الجنائية الدولية، المؤسسة لمحاكمة الجرائم الأشد خطورة بموجب نظام روما، تتبنى مبدأ ولاية مرتبطة بمكان وقوع الجريمة أو قبول دولة طرف لولاية المحكمة. وعلى هذا الأساس، فإن عضوية أفغانستان وفلسطين مكنت المحكمة من فتح تحقيقات في جرائم مزعومة على أراضيهما، حسب بيان المحكمة.
في سبتمبر 2024، أصدرت المحكمة مذكرات توقيف ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاع سابق، وهو ما أثار احتجاجات دولية ووجه ضغوطاً متبادلة بين الحكومات. وفي السنوات الماضية، فتحت المحكمة تحقيقات بشأن مزاعم ارتكاب جرائم حرب في أفغانستان أيضاً.
موقف واشنطن ولماذا نفذت العقوبات
تقول الإدارة الأميركية إن المحكمة تجاوزت اختصاصها عندما استهدفت جنوداً وقادة من دول ليست أطرافاً في النظام الأساسي، وأن ذلك يشكل تهديداً للسيادة الوطنية. كما ربط وزير الخارجية ماركو روبيو هذه الخطوة بحملة أوسع تهدف إلى وقف ما وصفته الحكومة الأميركية بأنه “استهداف غير مبرر” لمواطني دول غير أطراف.
مع ذلك، يلفت مراقبون إلى أن استخدام العقوبات ضد قضاة ومدعين دوليين يمثل سابقة قد تؤدي إلى تصعيد مؤسساتي بين الولايات المتحدة والمؤسسات القضائية متعددة الجنسيات، وربما تؤثر على التعاون القضائي والجنائي في ملفات أخرى.
ردود الفعل الدولية والآثار المحتملة
أعربت المحكمة عن استهجالها للعقوبات واعتبرت أن مثل هذه الإجراءات قد تضعف الجهود الدولية لمكافحة الإفلات من العقاب. وفي المقابل، رحّب بعض النواب والسياسيين الأميركيين بالخطوة باعتبارها حماية للسيادة، وفق تصريحات نقلتها وسائل إعلامية.
من الناحية العملية، قد تدفع العقوبات مؤسسات مالية أو دولاً ثالثة إلى إعادة تقييم علاقاتها مع عناصر من المحكمة، بينما قد تضطر المنظمات الدولية إلى البحث عن آليات بديلة لضمان استمرار التحقيقات دون الاعتماد على قنوات قد تتأثر بالعقوبات.
كما أن احتمال انضمام دول أخرى إلى حملة واشنطن غير مؤكد؛ فقد قالت إدارة روبيو إنها تتوقع دعماً من حكومات أخرى، لكن لم تُعلن أي دولة حتى الآن عن خطوات مماثلة، وفق ما نشرته تصريحات رسمية.
ما الذي يجب متابعته لاحقاً
المراقبون سيترقبون قرار المحكمة برد قانوني عبر قنواتها، وكذلك أي طعون قضائية يرفعها المستهدفون داخل الولايات المتحدة. كما يجب متابعة ما إذا كانت دول أخرى ستنسجم مع موقف واشنطن أو ستؤكد دعمها لاستقلالية المحكمة.
بقي أن نرى ما إذا كانت الإجراءات ستؤدي إلى تباطؤ أو تعديل في تحقيقات أو مذكرات توقيف قائمة، وكيف سيوازن المجتمع الدولي بين حماية السيادة والالتزام بمحاكمة الجرائم الدولية. وستحدد الأشهر المقبلة ملامح هذا الصراع القانوني والدبلوماسي بين واشنطن والمؤسسة الدولية.

