تعيش واشنطن لحظة سياسية دقيقة بعد التوصل إلى مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، التي جاءت عقب أشهر من الحرب والتوترات التي انعكست على أسواق الطاقة والاقتصاد الأميركي. فبينما أسهم الاتفاق في تهدئة المخاوف الاقتصادية، لا تزال الشكوك تحيط بمستقبل الرئيس دونالد ترامب وقدرته على تثبيت هذا المسار. هذا المقال يقرأ حسابات الرئيس الأميركي بين ضغوط الداخل ورهانات الخارج.

اتفاق تحت ضغط الاقتصاد

تراجعت أرقام استطلاعات الرأي الخاصة بترامب إلى مستوى قياسي منذ بدء الضربات الأميركية على طهران في الثامن والعشرين من فبراير، وهو ما دفع إيران إلى إغلاق مضيق هرمز، أهم نقطة اختناق بحرية للنفط في العالم. لكن بعد الإعلان عن مذكرة التفاهم، أُعيد فتح المضيق وانخفضت أسعار البنزين، ما وفّر انفراجة اقتصادية انعكست على المشهد السياسي. وبات أمام الرئيس نحو خمسة أشهر لمحاولة تغيير مسار حملته الانتخابية المتأثرة بتراجع شعبيته.

الانتخابات في قلب الحسابات

يكمن جوهر المعادلة في توقيت الانتخابات النصفية التي ستحدد ميزان القوى في الكونغرس. فبحسب صحيفة «ذا تليجراف» البريطانية، نقلاً عن مصدر مقرب من ترامب، كان الرئيس مطالباً بالتوصل إلى اتفاق قبل التصويت لمعالجة التضخم المتزايد ودعم المقاعد الجمهورية المعرضة للخطر. ويُرجَّح على نطاق واسع أن يستعيد الديمقراطيون السيطرة على مجلس النواب، فيما توصف سباقات مجلس الشيوخ بأنها أكثر تنافسية.

وأضاف المصدر أن ترامب قد يكون مستعداً للانسحاب من الاتفاق بعد تصويت الثالث من نوفمبر، وهو ما قد يؤدي إلى استئناف الحرب. لكن البيت الأبيض نفى هذه الادعاءات، إذ وصفتها المتحدثة آنا كيلي بأنها «أخبار كاذبة»، مؤكدةً أن الرئيس «يتصرف دائماً بحسن نية ويفي بالتزاماته».

بنود مثيرة للجدل

أثارت مذكرة التفاهم انقساماً حاداً. فالجمهوريون المتشددون والمسؤولون الإسرائيليون يعتبرونها «استسلاماً» للنظام الإيراني. وبحسب الوثيقة المكوّنة من 14 بنداً، قد تستفيد طهران من حوافز اقتصادية واسعة، أبرزها:

  • تدفق ما يصل إلى نصف تريليون دولار من صندوق إعادة الإعمار والأصول المُفرَج عنها.
  • رفع العقوبات النفطية المفروضة على إيران.
  • تأجيل قضايا البرنامج النووي وتخصيب اليورانيوم إلى مفاوضات تنتهي خلال 60 يوماً.

ويخشى منتقدو الاتفاق من أن تُستخدم هذه الأموال لإعادة بناء القدرات الإيرانية، بينما يرى مؤيدوه أنه وفّر انفراجة اقتصادية ضرورية وخفّض الضغوط على أسواق الطاقة.

خيارات عسكرية تبقى مطروحة

رغم التهدئة، حرص ترامب على إبقاء الخيارات العسكرية مفتوحة، قائلاً إن الولايات المتحدة «ستعود إلى القصف» إذا لم تُستكمل المحادثات خلال 60 يوماً. وتجدر الإشارة إلى أن واشنطن قصفت إيران مرتين خلال فترة المفاوضات، الأولى في يونيو والثانية في فبراير حين بدأت الحرب. أما وزير الخارجية ماركو روبيو، المعروف بمواقفه المتشددة تجاه طهران، فقد التزم الصمت إلى حدّ كبير بشأن المذكرة.

هدنة هشة

يسود التشكيك في واشنطن بشأن قدرة وقف إطلاق النار، الذي يُفترض أن يستمر 60 يوماً، على الصمود طوال هذه المدة. وقد اهتزّ هذا الوقف بعد القصف الإسرائيلي للبنان، قبل أن تدخل هدنة سريعة حيز التنفيذ. وفي ظل استمرار الخلافات حول الملفات الأساسية، بدا الاتفاق ثمرة لضغوط اقتصادية وسياسية دفعت الأطراف إلى تسوية مؤقتة، من دون أن تحسم القضايا الأكثر تعقيداً.

انقسام داخل المعسكر الجمهوري

لا يقتصر الجدل حول الاتفاق على الخصوم الديمقراطيين، بل يمتد إلى داخل المعسكر الجمهوري نفسه. فالمتشددون يرون في المذكرة تنازلاً مفرطاً لطهران، خصوصاً مع ما تتضمنه من حوافز اقتصادية ضخمة وتأجيل للملف النووي. ويتقاطع هذا الموقف مع غضب إسرائيلي معلن من الاتفاق، ما يضع الرئيس الأميركي بين ضغط قاعدته المتشددة من جهة، وحاجته إلى إنجاز اقتصادي يهدّئ الأسواق قبل الاستحقاق الانتخابي من جهة أخرى.

وفي ظل هذا الانقسام، يحاول الرئيس الإمساك بالعصا من الوسط، فيقدّم الاتفاق بوصفه انفراجة تخفّض أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه يبقي الخيار العسكري مطروحاً تحسّباً لانهيار المحادثات. لكن هذه المقاربة المزدوجة تحمل مخاطرها، إذ قد تُفقده مصداقيته أمام الطرفين: المتشككين الذين يرونها استسلاماً، والمراهنين على التهدئة الذين يخشون عودة التصعيد. وهكذا يتحوّل الملف الإيراني إلى اختبار دقيق لقدرته على إدارة التوازنات الداخلية.

في الختام

يتضح أن مصير الاتفاق مع إيران مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحسابات الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة بقدر ارتباطه بالملفات الإقليمية. فبين رغبة في تثبيت إنجاز اقتصادي وضغوط من معارضي التسوية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يصمد هذا التفاهم حتى نهاية العام، أم أن ما بعد نوفمبر يحمل مفاجآت من نوع آخر؟ شاركنا توقعك لمسار الأشهر المقبلة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version