أثارت أم أمريكية جدلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي بعد أن شاركت تجربتها في تربية أطفالها، معتقدةً أنها اتبعت أسلوب “التربية اللطيفة” (Gentle Parenting) لكنها اكتشفت لاحقاً أنها انزلقت نحو “التربية المتساهلة” (Permissive Parenting). وقد أدت هذه التجربة، وفقاً لما ذكرت، إلى نشأة أطفال يعانون من القلق وإرضاء الآخرين بشكل مفرط. هذه القصة سلطت الضوء على الفرق الدقيق بين هذين الأسلوبين التربويين، وأثارت تساؤلات حول أفضل الطرق لتربية الأطفال.
جاكلين ويليامز، وهي أم لطفلين، نشرت مقطع فيديو على انستغرام في وقت سابق من هذا الشهر، أوضحت فيه أنها لاحظت آثاراً سلبية على أطفالها بعد سنوات من تطبيق ما اعتقدت أنه “التربية اللطيفة”. وقد انتشر الفيديو بسرعة كبيرة، مما أدى إلى نقاش واسع بين الآباء والأمهات حول هذا الموضوع. وتشارك ويليامز الآن تجربتها بهدف مساعدة الآباء الآخرين على تجنب الأخطاء التي ارتكبتها.
الفرق بين التربية اللطيفة والتربية المتساهلة
غالباً ما يتم الخلط بين أسلوبي التربية اللطيفة والتربية المتساهلة، على الرغم من وجود اختلافات جوهرية بينهما. التربية اللطيفة تركز على فهم مشاعر الأطفال والتعاطف معهم، مع وضع حدود واضحة ومتسقة. بينما التربية المتساهلة تتميز بغياب الحدود الواضحة والسماح للأطفال بالتصرف دون قيود كبيرة، خوفاً من إحباطهم أو إثارة غضبهم.
تأثير التربية المتساهلة على الأطفال
وفقاً لويليامز، فإن تطبيق التربية المتساهلة أدى إلى ظهور سلوكيات غير مرغوب فيها لدى أطفالها. ذكرت أن أحد أطفالها أصبح قلقاً بشأن كل شيء، وغير واثق من قدراته، ومتطلباً بشكل مفرط، ويعاني من صعوبة في تنظيم مشاعره. أما الطفل الآخر، فقد تحول إلى شخص يسعى لإرضاء الآخرين باستمرار، ويتجنب التعبير عن مشاعره الحقيقية.
هذه النتائج دفعت ويليامز إلى إعادة تقييم أسلوبها التربوي والتحول نحو أسلوب “التربية الموثوقة” (Authoritative Parenting). هذا الأسلوب يجمع بين الدفء العاطفي والصرامة الهادفة، من خلال وضع حدود واضحة وتوقعات واقعية، مع توفير الدعم والتوجيه للأطفال.
وتقول ويليامز إنها لاحظت تحسناً ملحوظاً في سلوك أطفالها بعد تبني هذا الأسلوب الجديد. أصبحوا أقل قلقاً بشأن اتخاذ القرارات، وأكثر ثقة في قدراتهم، وأقل ميلاً للتفاوض أو المطالبة بأشياء غير معقولة، وأكثر قدرة على تنظيم مشاعرهم.
الجدير بالذكر أن العديد من الآباء والأمهات تفاعلوا مع قصة ويليامز، معربين عن قلقهم من أنهم قد يكونون انزلقوا أيضاً نحو التربية المتساهلة دون وعي. وقد أشاروا إلى أنهم يخشون على أطفالهم من الآثار السلبية لهذه التربية، مثل ضعف الثقة بالنفس، وصعوبة التأقلم مع تحديات الحياة، وعدم احترام القواعد والأنظمة.
في المقابل، أكد العديد من الخبراء في مجال علم النفس التربوي على أهمية التمييز بين التربية اللطيفة والتربية المتساهلة. وشددوا على أن التربية اللطيفة لا تعني التخلي عن الحدود أو السماح للأطفال بالتصرف بشكل غير لائق. بل هي تعني التعامل مع الأطفال باحترام وتعاطف، مع وضع قواعد واضحة وثابتة لضمان سلامتهم وتنمية شخصياتهم.
كما أوضحوا أن التربية المتساهلة قد تؤدي إلى مشاكل سلوكية وأكاديمية واجتماعية لدى الأطفال، مثل ضعف التحصيل الدراسي، وزيادة خطر الانخراط في سلوكيات خطرة، وصعوبة بناء علاقات صحية مع الآخرين. وشددوا على أن وضع الحدود الواضحة وتطبيق العواقب المناسبة هو أمر ضروري لتربية أطفال مسؤولين وناجحين.
النقاش حول التربية اللطيفة وفعاليتها مستمر، ويتطلب من الآباء والأمهات فهمًا عميقًا للاختلافات بين الأساليب التربوية المختلفة، واختيار الأسلوب الذي يناسب شخصية أطفالهم واحتياجاتهم. كما يتطلب منهم الاستمرار في التعلم والتطور، وطلب المساعدة من الخبراء إذا لزم الأمر.
علاوة على ذلك، فإن التحديات التي تواجه الأسر الحديثة، مثل ضغوط العمل والحياة، قد تجعل من الصعب على الآباء والأمهات تطبيق أساليب التربية الإيجابية بشكل فعال. لذلك، من المهم أن يحصل الآباء والأمهات على الدعم الكافي من المجتمع والمؤسسات التعليمية، وأن يتم توفير برامج تدريبية لمساعدتهم على تطوير مهاراتهم التربوية.
من المتوقع أن يستمر هذا النقاش حول أساليب التربية المختلفة في الأيام والأسابيع القادمة، خاصة مع تزايد الاهتمام بقضايا الصحة النفسية للأطفال والمراهقين. ويجب على الآباء والأمهات مراقبة آخر المستجدات والبحوث في هذا المجال، والتكيف مع التغيرات المتسارعة في المجتمع، من أجل توفير أفضل بيئة تربوية لأطفالهم.










